مصالحة بلا ممالحة

قد يكون التاكسي الصباحي من المنزل الى العمل من أكثر مراحل اليوم الماراثوني الطويل إثارة للجدل، وهو الذي لا ينفك يتكرر مكرساً نفسه إما روتيناً كريها يكاد يقضي عليك ويزهق روحك إختناقاً بغاز العوادم في نفق سليم سلام، وإما محطة ترفيه وبهجة بإمتياز تفوق متعة الإستماع الى “مدام رحباني” على محطات الراديو الصباحي كافة “بإستثناء إذاعة النورطبعاً” وذلك بحسب السائق ومزاجه ونكاته او سبابه او سعاله وبصاقه من النافذة في تآلف وتناغم غريب يعزف سمفونية الصباح.

منذ ان طلقت القيادة وإقتناء السيارات نتيجة لحادث سير “عقدني” وحرم علي ان امسك مقوداً ما حييت، وتلك المحطة الصباحية تتكرر كل يوم دونما كلل أو ملل، بشقائها وسعادتها وطولها أو قصرها، فالمسافة الى العمل لا تقاس بالأمتار و الأميال بل بزحمة السير التي تبقى وحدها الحسبة لطول المدة التي تقضيها على الطريق.

صراحة، لطالما ابديت إنزعاجي من التاكسي الصباحي الى ان اهتديت الى سائق عجوز، بات يقلني دون غيري صباح كل يوم من المنزل الى المكتب لقاء “مقطوعية” يحددها الرجل بعدد المرات التي تحامل بها على صباحي العكر بإبتسامته المشرقة في فم إرتحلت عنه الأسنان منذ زمن طويل نتيجة إستغلالها في فتح قناني البيرة و الكوكا كولا كما يقول سائقي العزيز “أبو أنور”!

بمزاح إثنيني صباحي عكر كالعادة، أمد يدي الى الراديو لأدور بمقبسه في عالم الإذاعة أبحث عن نشرة أخبار صباحية أستشف منها جزء كبير من عملي صباح كل يوم، وهي الحجة التي اقنعت بها “أبو أنور” بأن إستماعي الى الأخبار الصباحية هو ضرورة من ضرورات العمل تبيح المحظور في سيارته “اي السياسة والدين” عوضاً عن الإستمتاع بخبرياته التي يستلها من جعبة في ذاكرته مصدرها ركاب سيارته التي تتحول الى سرفيس للعموم بعد التاكسي الصباحي المحصور بي وبمزاجي المتقلب والسرفيس “أربح” كما يقول فهو يقبض حقه مضاعفاً اي الفي او ثلاثة آلاف ليرة، مضاف اليها خبريات و تحليلات ثمينة عن كل من صعدوا و نزلوا من سيارته الحديثة التي يدفع ثمنها بالتقسيط المريح.

راديو الصباح يزف لي برنامج حواري سياسي مباشر، تسهب مقدمته في الحديث عن الأجواء الإيجابية في البلد، وعن مناخ التواصل الذي ولد من حيث لا ندري، وعن وصل ما إنقطع، وعن زيارة الحريري الى سوريا، و الود والمحاباة بين الرابية و المختارة، وعن غزل سياسي بات يقارب الشعر الإباحي النزاري، وغيرها من العبارات الفضفاضة في تمثيلية شكسبيرية مفصلة على مقياس الإستغباء السياسي اللبناني، تماماً كما فصلت الحروب الإنتخابية قبل شهرين فقط، الى ان بلغ مناخ التقارب حد اللامعقول بتناسي استشهاد مواطنتين برصاص المتخاصمين، واحدة من مناصري 8 آذار في الضاحية الجنوبية، كلفني التحقيق الذي اعددته عنها الإحتجاز لساعة كاملة في مركز حزبي بلا حسيب أو رقيب او مناد بحرية الصحافة، وشهيدة أخرى من مناصري 14 آذار التي بدورها كلفني التحقيق الذي ضمها الى سابقتها إنتظار ساعة ايضاً في الشارع تحت رحمة عناصر الدرك ريثما ترحل الوفود السياسية التي أمت دارة اهلها للتعزية، حتى بدأ يتراءى لي ان المصالحات كالعادة تنتظر سيل الدماء على مذابح الساسة، لا الوطن، حتى تتحقق.

ينضم الى البرنامج الحواري محلل سياسي من النوع “الجامبو” من ناحية الإنتفاخ العروبي الناصرجي-القومجي، ودونما الإنتظار والإستماع أعاجله بلبنانيتي الأصيلة المتأصلة بسيل السباب و الجذاف بما يتناسب مع طبيعة الإنزعاج الصباحي، لتمتد يد “أبو أنور” وتغلق شعلة الراديو لتوقف معها جوقة الشتم الصباحي المنطلقة من فمي.

“ليش معصب يا إستاذ؟”… “أوتسأل يا أبو أنور؟” ، ببرودة اعصاب نادرة يشرح الرجل الوضع السياسي برمته بتعليل تعجز عنه كتب التحليل السياسي وعلوم الإجتماع فيقول أن مصالحات السياسيين مزيفة و لا يمكنها ان تكون حقيقية لأنها مصالحة بلا ممالحة، اي ان المصالحة على الطريقة القروية اللبنانية تحتاج لتقاسم الخبز والملح لا المال والجاه!

وفاءً لأبو أنور، اسجل له هذه النظرية التحليلية السياسية – الإجتماعية في كل كتب السياسة والديبلوماسية لتدرس في الجامعات إن أردتم، و ما اصحها!، فالمصالحات المستغربة وتقبيل اللحى (وحتى الأيادي والأنوف) لا يمكن ان تكون حقيقية طالما يقابلها التعبئة الطائفية والمذهبية والمناطقية، فما نحتاجه هو مصالحة بين الشعب على مستوى الشعب كله، لا نحتاج لا الى زيارات الحريري الى نصر الله، ولا جنبلاط الى عون، ولا فرنجية الى جعجع، بل ما نحتاجه هو ان نتقاسم كلبنانيين حلو الحياة ومرها، ما نحتاجه هو تقاسم زوادة الماء والعرق، ما نحتاجه هو ان يسحب المسلحين يدهم من عن الزناد، ما نحتاجه هو العبور الى الدولة الحقيقية التي تكسر يد المسؤول الميليشياوي الذي عبث بكاميرتي الصحفية في الضاحية، ما نحتاجه هو خفض سقف الثقة التي نمنحها للطبقة السياسية الأنية كلها دونما اي استثناء، علها تكسر شوكة إستعلائهم، لتصبح مصالحاتنا الوطنية شعبية، حقيقية، إجتماعية، تربى وتنضج مع ثقافة مواطنة صحيحة تلحقنا بركب سبقنا بأشواط، ما نحتاجه ايها الرفاق هو مصالحة تقوم على الخبز والملح، كي تكون مصالحة بممالحة.

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*