إيجابيات غير مقصودة لكلام جنبلاط؟

خاص: تريلا.أورغ
كتب: جميل معوض – باحث في المركز اللبناني للدراسات

لعل ردة الفعل الأولى على الكلمة المطوّلة التي ألقاها النائب وليد جنبلاط أمام الجمعية العمومية الاستثنائية للحزب التقدمي الاشتراكي، تندرج في إطار الصدمة “للخصوم” (أي حلفاء الأمس) و الترحيب الكبير “للحلفاء” (أي خصوم الأمس). مما لا شك فيه فأن هذه الخطوة النوعية تستحق التريث والتحليل الكاف من خلال قراءة معمّقة للخطاب ولغته الاصطلاحية وإن كان للوهلة الأولى غير متوقع بمضمونه (أي التمايز الكامل عن 14 آذار) وإخراجه، وأبعاده وخصوصاً توقيته.

من الخطأ القول أن هذا الخطاب يجب أن يحصر فقط بـ”مزاجية وليد جنبلاط” أو حنكته في قراءة السياسة الإقليمية والخارجية وانعكاساتها على الداخل اللبناني. ففي قراءة لا تقبل التأويل فان وليد جنبلاط تمتع بالجرأة الكافية والصراحة الفجّة (التي يفتقدها الكثير من السياسيين)، إذ تنكر ليس فقط لماضيه “الانتفاضي” المفعم بالأمل بالنسبة لمناصريه خلال السنوات الخمس الماضية، لكن أيضاً مهّد لمستقبل تحالفاته السياسية التي وإن دلت على شيء، فإنها ستدل على سياسات التريث والتواصل مع جميع القوى السياسية حتى ولو على حساب القناعات والمبادئ. وبذلك يكون وليد جنبلاط قد أعلن انتصار ثقافة اليأس على ثقافة “الأمل الاستقلالية والسيادية”.

كما إنه من غير الممكن أيضاً فهم كلام جنبلاط خارج إطار الثقافة السياسية المسموح بها ضمن تركيبة النظام السياسي اللبناني. من هنا لا بد من الإشارة بأنه لربما كانت هذه الخطوة هي الورقة الأخيرة لجنبلاط السياسي وزعيم أقلية طائفية درزية، ويكون بذلك قد اتبع أسلوب العرب الجاهليين في أن آخر الدواء الكيّ.

في نظرة سريعة إلى الوراء، نلاحظ بأن جنبلاط لم يكن كما أشار في تحالف الضرورة مع قوى 14 آذار، إذ أنه كان في القياديين الأوائل في إعلاء ثقافة الأمل لدى اللبنانيين حين كان العمود الأساس في مصالحة الجبل عام 2001 ، كما انتظره الجميع للالتحاق بمؤتمر البريستول عام 2004 والذي أكد فيه صراحةً آنذاك بأنه لا يمكن أن يغرد أبداً خارج سرب المعارضة المجتمعة في مختلف أطيافها لتطالب بخروج الجيش السوري واستخباراته من لبنان. ولا يمكن نسيان مداخلة جنبلاط الشهيرة التي رفعت كثيراً من معنويات القيادات السياسية والروحية المعارضة وهذا ما انعكس على الرأي العام اللبناني من تأمل في تحولات ايجابية. وبلغت ذروة الأمل في انتفاضة الاستقلال والمواقف التي تلتها. غير أن نقطة تحول أساسية طرأت على الساحة السياسية وهي أحاث 7 أيار 2008 والتي وجد جنبلاط حينها وحيداً في مواجهة سلاح حزب الله مما دفعه إلى ترطيب الأجواء السياسية والانعطاف نحو “المصالحة” (اجتماع من الند إلى الند مع وئام وهاب وإصدارهم بيان مشترك) وصولاً إلى طلاقه مع 14 آذار.

وهكذا تحول دور جنبلاط من باعث الأمل والباحث عن وظيفة زبال شاغرة في نيويورك إلى المدافع العسكري والميداني الوحيد عن قوى 14 آذار، وصولاً بانتهائه باحثاً عن موقع حليف مع قوى اليسار والمقاومة والعروبة… بعبارات أخرى يكون قد انتقل من ثقافة سياسية تبدأ بالأمل فالعنف فالاستيعاب المتمثل باليأس.

هذه الثقافات السياسية لا يمكن عزلها عن إمكانات الحراك السياسي للطوائف ضمن النظام السياسي اللبناني. وهنا بيت القصيد. مخطئ من يظن بأن وليد جنبلاط مزاجي الهوى والتوجه، أو مجرد مفكر استراتيجي على صعيد الوطن… انه بامتياز زعيم طائفي أحادي يحاول الدفاع عن مصالح الأقلية الدرزية.

من المعروف بأن تركيبة النظام السياسي اللبناني لم تساهم ولم تسمح يوماً بتحقيق سياسات عامة حاضنة للطوائف محافظةً في آن على حقوق الأفراد. فتركيبة النظام لا تسمح بوجود التوازن بين المعادلتين، وفي هذه الحالة تتفوق المذهبية والطائفية على المواطنة. وما يساهم في تدهور النظام غياب آلية تطبيقية تساهم في تطوره كنظام انتخابي مبني على النسبية، وإنشاء الهيئة العليا لإلغاء الطائفية السياسية الخ.

فالنظام السياسي اللبناني شهد على ثلاث أنماط حكم تمثلت بإدارة الأزمات: الحرب بين 1975-1990، بعدها الوصاية الخارجية (السورية في هذه الحالة) 1990-2005 وأخيراً التعطيل 2005-2009 وذلك بعد محاولة المضي في اللعبة الديمقراطية بين الأكثرية والأقلية.

وفي هذا السياق لا بد من عدم توجيه اللوم إلى المواطن الذي عانى الأمرين: فلا العنف أمن له الأمان ولا الديمقراطية الانتخابية التي خلفت عنفاً مسلحاً آخر حين لم تفلح مؤسسات الدولة ونظامها بتأطير الخلافات وحلها ضمن المؤسسات الدستورية. فجنبلاط هو العارف بامتياز بأن الأكثرية النيابية التي حصلت عليها قوى 14 آذار في الانتخابات الأخيرة لن تتمكن من الحكم وإنه على الأرجح لا يريد إعادة تجربة السنوات الأربع الماضية الحافلة بالتعطيل والتعطيل المضاد.

نجح جنبلاط بتفادي أزمة نظام مقبلة إذ تحول من الخطاب التحرري السيادي إلى خطاب رفض أو بالأحرى تجنب فض المشاكل بالعنف _حمايةً للسلم الأهلي، وساهم في إضفاء ثقافة اليأس لدى المواطنين كآخر أمل أمامه لحماية سلمهم الأهلي بعد الاشتباكات المتعددة والمتكررة (عائشة بكار…). فالخنوع عادة يرخي العصب ولا يدفع احد للتسلح بالعنف الكلامي للقيادات محولاً إياه عنفاً عسكرياً في الشوارع.

وإذا كان هنالك من ايجابية لكلام جنبلاط هو تطرقه لمسألة عودة اليسار ببرنامج اقتصادي اجتماعي، وهذا في حال إن صدق، فهو ملزم أكثر من أي وقت مضى بالتقدم (ولو منفرداً) ببرنامج كامل ينعكس في الحكومة من خلال رفض الخصخصة على سبيل المثال، وذلك من اجل التعويض عن خيبة أمل جماهيره الآذارية التي خلفها خطابه وإعادة تموضعه.

والايجابية الأساس لكلامه، والتي ربما لم يقصدها، هي إمكانية إنقاذ النظام السياسي اللبناني من سياسات التعطيل ورفض العودة إلى المؤسسات. فإذا تمكن من أن يكون رأس الحربة الأولى في البرلمان والحكومة للدفاع ونشر الإصلاحات السياسية التي ما انفك رئيس الجمهورية بالمطالبة بها مراراً وتكراراً، يكون مساهماً أساسياً في تسهيل عجلة الإصلاح المنشود. وهذه الإصلاحات لن تكون في أي لحظة سهلت المنال في حال كانت قائمة على مبدأ الاستقطاب الثنائي بين قوى 8 و14 آذار.

في ترابط أفكاره لم ينسى الزعيم الاشتراكي من توجيه الانتقاد للمجتمع المدني اللبناني. لقد أصاب حين نعاه قائلاً بأنه مجتمع أهلياً. وهذا المجتمع فشل فشلاً كبيراً في نشر الإصلاحات الانتخابية، أقله من خلال تعايشه وقبوله قانون القضاء الستيني الذي هو أساس التراجع السياسي في لبنان وتعطيل الحكم. صحيح أن الطبقة السياسية نجحت في تنظيم الانتخابات في يوم واحد، ولكن هذا يعود إلى سببين لا ثالث لهما: أولاً، الإمكانات المالية الهائلة التي سخرت (من دول أجنبية…) والتي لم نعرف حتى الآن كم بلغت كميتها، وثانياً، القرار السياسي التوافقي التي ارتضى أن تكون هذه الانتخابات سلمية بعيدة عن التشنجات والمشاكل.

انتصرت ثقافة اليأس على ثقافة العنف… وولت الثقافة الديمقراطية الآذارية إلى غير رجعة، فهل ينقذها رئيس الجمهورية المحايد؟

هذه المقالة تعبر عن رأي صاحبها فقط وليس بالضرورة عن وجهة نظر الموقع وإن توافقنا معها الى أبعد الحدود
الآراء والمواد و التعليقات التي ترد على موقعنا لا تعبر عن وجهة نظر الكاتب

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*