برنار فتال … هوى

استخدم المال لفعل الخير والمحبة والمساعدة

نزل الخبر كالصاعقة امس: مقتل رجل الاعمال برنار فتال وصديقه طوني سعاده في حادث سير في القاهرة. فتداعى الاهل والاقارب والاصدقاء الى منزل العائلة في المنصورية. وسافر منهم من سافر لمواكبة الجثمانين في طريق العودة الى المثوى الاخير، بينما فتحت شركة فتال ابوابها استثنائيا بعد ظهر السبت في لقاء عفوي واجتماع صلاة وترحم.
الجميع لم يصدّق ان فتال، الرجل المميز والعفوي الذي يضجّ حياة، رحل من دون وداع الاحبة والرفاق والموظفين. ساد الذهول حزنا على الاخ والصديق والزميل، الذي توّج مسيرته بنجاح لمّاع على الصعيد العملي، وبأعمال رحمة حفل بها رصيده الشخصي وتسرّب بعض منها على رغم حرصه الشديد على سريتها، لئلا تدرك يمناه ما كانت تفعل يسراه.
صحيح انه ابن بيروت حيث ولد في حزيران العام 1945، لكنه هوى لبنان بكليته حتى صار سفيره الى دول المشرق والشمال الافريقي، مصدّرا المهنية الخلقية والاخلاقية في قطاع الاعمال استيرادا وتصديرا، بعدما حاز ثقة الوكالات التجارية العالمية الكثيرة، التي نجح في تسويق منتجاتها داخليا وخارجيا.
ابن ابيه جان فتال، مؤسس شركة حملت اسم العائلة، لكنها لم تكن يوما شركة عائلية بفضل خصائل وتربية تلقنها في الصغر لتضيف الى ما لقّن من علوم ثانوية وجامعية، لازمته حين تسلّم الادارة بعد وفاة المؤسس الى جانب ابن عمه خليل.
بعد الشهادات الجامعية الاولى التي حصّلها في العلوم السياسية من جامعة القديس يوسف عام 1967 وفي الدراسات العليا في العلوم الاقتصادية من جامعة باريس الاولى ومعهد الادارة للمؤسسات في باريس عام 1969، انخرط في مجال الاعمال مساعدا للوالد في شركته الناشطة في قطاع استيراد الادوية وتوزيعها، حيث كانت لابيه ايد بيضاء في تأسيس نقابة مستوردي الادوية عام 1947.
وكان هو من مؤسسي تجمع رجال الاعمال وعضوا فاعلا فيه، وبرز مرجعا استشاريا، يقول نقيب مستوردي الادوية آرمان فارس، انه كان صاحب عين ناقدة ورؤية ثاقبة وصائبة “لا يعترف بالمكتسبات ويرفض انتظار الامور لتفرض عليه، بل كان مبادرا ويسعى دوما الى جبه التحديات رغبة منه في التغيير. فالاصعب في قطاع الاعمال مواجهة التغييرات الطارئة في عالم الاقتصاد”.
بعد وفاة الوالد 1979، تسلّم برنار الادارة العامة في شركة فتال ليعاون خليل في النضال ضد الحروب العسكرية التي انهكت لبنان مدى خمسة عشر عاما، لكنها لم تنل من عزيمته وعناده. فلم يغادر لبنان في اي لحظة حرجة، يقول احد معاونيه القريبين، “كان يؤمن بالبلد، ويرغب في مشاركتنا في ما نعانيه وتفادي اي تقصير حين نحتاجه. كان مثالنا الاعلى، وهو بطلنا الفريد”.
كان مقداما ومغامرا ومتطلبا، يقول وديع معلوف صديق الـ50 عاما رفقة عمر وزمالة وعملاً. “ما حسبنا يوما اننا سنخسر المدير والاخ والصديق والمرشد”.

حبه للمغامرة في عالم الاعمال، دفعه الى تكبير حجم الشركة وتوسيع نشاطها من السوق المحلية الى اغلبية دول المشرق العربي وشمال افريقيا. وبسرعة لافتة لكن بعمل مضن ومدروس الخطوات، باتت شركة فتال للاستيراد والتوزيع الاولى في لبنان. ولم يكتف برنار بهذا الحدّ، بل رغب في اكثر. فبادر قبل نحو خمسة اعوام الى تأسيس شركة “الوطنية” من ضمن مجموعة فتال، وتخصصت في توزيع المنتجات اللبنانية، وهي وفق رئيس جمعية الصناعيين فادي عبود “مفخرة لنا لان تكون هي الموّزعة لمنتجاتنا الوطنية، لكونها فصّلت على مقياس شعار “صنع في لبنان”. فقد كنا فخورين جدا بان يكون فتال هو من يوّزع ابرز المنتجات اللبنانية”.
لم يقف انغماسه في العمل حائلا دون شغفه بتحصيل العلم والعلوم رغبة منه في ترجمة معارفه سلوكيات وادبيات وتقنيات مارسها في الشركة. اخذته رغبته هذه الى جامعة سان فرنسيسكو في الولايات المتحدة عام 1985 حائزا شهادة MBA، ليمضي من بعدها سنة كاملة لدى جمعية الادارة اليابانية. وما بين العامين 1991 و2001، تعمّق في تقنيات التسويق والمال في جامعة “نورثوسترن يونيفرستي” في شيكاغو، وفي اقتصاد الانماء في جامعة “جورجتاون” في واشنطن. ومن دون ان يدري او يرغب ربما، اختتم سيرته العلمية بشهادة في الاتصالات والتغيير من معهد “غريغوري باتسون” في لياج-بلجيكا العام 2007.

في الاجتماعيات العامة، رغب برنار في استبدال لقاء الاحبة بافعال المحبة. تغيّب طوعا عن الظهور في حفلات عالم الاعمال لينصرف في المقابل، لا بل لينشط في مجال روحي استند في ممارسته على قاعدة “استخدام المال لفعل الخير والمحبة والمساعدة”. وكانت منظمة فرسان مالطا ذات السيادة في لبنان هي الباب العريض الذي منه دخل برنار الى عالم اعانة الفقراء والمرضى والمعوقين. لم يتخلف عن دعم المنظمة، حتى انه عرّف رئيسها بها عام 1985، وكان له معها نشاط اقدم اي بدءا من التأسيس في مطلع ثمانينات القرن الماضي. “سنشعر بفقده تباعا، لانه كان يرغب في تقليص مسؤولياته في العمل ليخصص وقتا اكبر لرسالته الانسانية ضمن المنظمة”، يقول مروان صحناوي رئيس منظمة فرسان مالطا.
مسيحيا مؤمنا، كان يحبّ عذراء لورد ويزورها سنويا للصلاة والتخشع برفقة ذوي الحاجات الخاصة ويخدم من دون تمييز حفظا لكرامة الضعفاء. سخّر المال في خدمة فعل الخير والمساعدة، ولكن بافعال كبيرة كانت تستحق السؤال عن مصدرها كلما انجزت. تواضعه فاق نجاحه واسمه. هكذا كان برنار المستشار في “منظمة فرسان مالطا”، جنديا مجهولا… ولكن الى حين.
سرّ برنار فتال انه كان يهوى من داخله الصيد بكل انواعه. رحلات كثيرة قادته الى افريقيا واوروبا دول المتوسط، والى مصر حيث كانت الهواية مسبباً قاتلاً… اخذ معه صديق العمر والمدير في شركة فتال طوني سعاده، ابن المريجة وابن شقيق الامين العام السابق لحزب الكتائب جوزف سعاده، وابن شقيقة النائبين الراحلين نديم وادمون نعيم، وحفيد وديع نعيم احد اركان الحزب الدستوري سابقا.
بالامس، هوى احد اعمدة الاقتصاد مع رحيل برنار فتال، الرجل القليل الكلام والكثير الافعال.

في حادث سير مؤلم، قضى رجل الاعمال برنار فتال وأحد معاونيه طوني سعاده في اثناء توجههما لزيارة صديقهما نقولا تويني في مزرعته خارج القاهرة، حين انفجر اطار السيارة لجهة اليمين مما ادى الى تدهور السيارة وانقلابها ثلاث مرات قبل ان تستقر على احد جانبي الطريق السريع. وقد توفي فتال وسعاده على الفور، بينما نقل السائق الى المستشفى بعد دخوله في غيبوبة. وفور وصول الخبر، توجه الى القاهرة شقيق المرحوم فتال ونجله لاجراء ترتيبات نقل الجثمانين الى بيروت، وقد وصلا في العاشرة من مساء امس.

يحتفل بالصلاة لراحة نفس فتال في كاتدرائية سيدة البشارة للسريان الكاثوليك في محلة المتحف، الساعة الثانية عشرة ظهر غد الاثنين.
ويحتفل بالصلاة لراحة نفس سعاده في كنيسة سيدة العطايا في الاشرفية الساعة الثالثة والنصف بعد ظهر غد الاثنين.

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*