سحسوح عالرقبة!

n565035288_1317084_9122الهريبة, ثلثي المراجل”, “ألف كلمة جبان, ولا كلمة الله يرحموا” , ما هي إلا مقتطفات من الأمثلة الشعبية التي تتناقلها الألسن اللبنانية, على كثرتها, وما هي إلا فيض من غيض الأمثلة الإنهزامية التي باتت جزء لا يبارح ثقافتنا الوطنية اللبنانية, أي ثقافة الهوية اللبنانية, لا أدري كيف اقتنعت و إقتنع الآلاف و الملايين بها!, حسناً, إن طبيعتنا كإنهزاميين باتت تسيطر على حواسنا ومجالسنا و قدراتنا, حتى إن حاولنا الخروج من دائرتها, إستبدلناها بالعنف بدلاً من السلام, وأمسينا نبرر خوفنا و شللنا النصفي بها, و اقصد بالنصفي هنا, أن العقل اللبناني, الموهبة, لايزال يعمل, لكن دونما اي توافق او تنسيق مابين الحركة العصبية و الحركة الميكانيكية, ندرك أننا غير خائفين, فقد إعتدنا, رغماً عن ذلك, “نتضبضب” وتطلق سيقاننا العنان لنفسها مواجهة الريح في ماراثون “الهريبة” عند أول بادرة لإشكال ما, أو عند أول بارقة لغضب يلوح في الأفق, و الطامة الأعظم, عند سماع أدنى شائعة من شائعات القيل و القال, ولا أدري ولا تسأل كيف أصبحت “الهريبة” فعل من أفعال “قد المراجل”.

مللنا جميعاً من الساسة, والسياسة, مللنا من محاولات الترقيع و التصليح, و الرتي الذي لا يجدى نفعاً ما لم نبحث أساساً في خنادق المشكلة و تكوينها وجذورها التي باتت متأصلة في المجتمع اللبناني, نتناقلها جيل بعد جيل, لست هنا بمعرض الجدال السياسي عن صوابية القضايا التي طرحت خلال الحرب اللبنانية وبعدها وما تلى ما بعدها, والتي أرخت بظلالها على لبناننا, وشبابنا, وعلينا, وعلى مستقبلنا, بل أدعوكم لحظة الى التمعن في صوابية دائرة العنف المصغر التي نعيش, نتمعن للحظات في طريقة عيش المئات, لابل الألوف و الملايين في لبنان, فلنبدأ بأصغر الشوائب, وسيلة المزاح المفضلة لدى اللبنانين “السحسحة”, والسحسحة هنا فعل عنيف قد تحاول فيه إظهار تفوقك وزعامتك على الطرف “المسحسح له”, وغالباً ما تنتهي دائرة السحسحة, برضوخ آكل السحسوح, وتقبله لوضعه الجديد, فيما أنت تتباهى لاحقاً بقدراتك “السحسوحية” أمام باقي الرفاق, ولابأس إذن إن أصبح لبنان “مسحسة” يتناقله جميع الصناديد من أبطال هذه اللعبة العالمية, ننتقل الى الدائرة الثانية, الأخطر و الأوسع, و الأكثر جدية, الى خطاب الشارع اللبناني العنيف أي الى “السحسحة السياسية”, في تلك الحلبة يتنافس السياسيون وعددهم أربعة ملايين بالمناسبة, لأن كل لبناني مهما علا شأنه العلمي, أو نزل, ومهما كان عمره, هو خبير سياسي, ينازلك في نقاش سياسي محموم, لا أساس له سوى محورين, أولاً محور الخبريات الملفقة, يتلقاها حقنة بالوريد من على شاشة التلفاز, وفي أغلب الأحيان قد لايدري أنه شاهد الشاشة الخطأ, بمفهومه, وإن الإتهام موضوع النقاش, كان موجهاً نحو سياسي من ناحيته, و المحور الآخر هو محور الهجوم و التخوين والتهويل العنيف بالحرب, قد لا تصيبك الدهشة, ربما لأنك صادفت البعض منهم, ممن يمنون النفس بوقوع الحرب لتصفية حسابات “سحسوحية” قديمة.

بالرغم من ان مفهوم العظمة اللبنانية قد تلاشى أمام البعض, و أنا منهم, أصبح المؤمنين بالفرح أكثر دراية أن الحرب الآتية التي يلوح فيها البعض لم تعد مجرد تهديد مزعوم, فالمدينة نزفت, والنار إندلعت، والأعراض إنتهكت, وسأتوقف هنا قبل أن أصبح أكثر عنفاً !.

الغاية من هذا الكلام, أن المجتمع اللبناني الذي يقتات تواصله الإجتماعي على ديمومة المواجهة و إختلاق محاور الخلاف, بات شيئاً, فشيئاُ, يدرك قيمة الإستفادة من عبر التاريخ, ويدرك ان الحل يكمن في نفي العنف بأصغر تفاصيله, فلنعرف من أين نبدأ, من أصغر المهام, فلنعرف كيف نحب بعضنا البعض, فلنبدل العنف بالسلام, فلنبدل “السحسوح” بالقبلة, فلنرقص و نمرح, وبالمناسبة, عاد صديق حميم لي من بعثة خارجية أمس ليخبرني عن مدى إختلاف الحضارات و تنوعها وبالرغم من ذلك, تتناغم في موضوع الفرح و المحبة ورفض العنف, مشيراً الى إبداع البعثة اللبنانية في ميادين الحوار والثقافة و التمثيل المشرف, إلى ان اتى ميدان الفرح و الرقص, فغصت الدبكة اللبنانية و إنهزمت وأغرورقت عيناها بالدموع أمام مشهد آلاف الشباب يرقصون و يمرحون على الرغم من فقرهم وعوزهم وعددهم الكبير, وعند سؤاله لماذا؟ أجاب لأن اللبنانيين بالهم مشغول بما يدور خارج حلقة الرقص, لأن أربعة ملايين سياسي في لبنان, لم يستطيعوا الإتيان بنظام إنتخابي يلائم حجم طموحاتهم.

الشابات و الشبان الذين إنهزموا أمام الثقافة اللبنانية و العلم اللبناني, و المعرفة اللبنانية, عادوا ليفوزوا في الميدان الإنساني, ليردوا على اللبنانيين “بسحسوح” فني لتفوقهم في ميدان الفرح.

لتلافي ذلك مستقبلاً علينا أن نواجه العنف بالضحك, البكاء باللعب, الأرق بالسهر, الشاي بالنبيذ, فلنغنني جميعاً بفرح للبنان, قلب واحد و روح مرحة واحدة.

و من مايزال يحبذ “السحسحة” فليرحل, ولينظم كأس العالم “بالسحسحة” على أرضه إن أراد , لا على رقابنا نحن اللبنانيين.

عماد بزي

نشرة الأفق

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*