ولِك يقبش …

ثمة متنفس للحالة النفسية الرديئة التي تنتابني كلما داعبت مخيلتي هواجس عن لبنان ومستقبله وما هو مقبل عليه من رياح تحد ومواجهة آتية لا محالة، فلم اعد استطيع ان اكتب شيئاً سوياً دون ان اجعله ميداناً لهواجسي مع حالة الإشمئزار الآنفة الذكر، هي الحالة نفسها التي دفعتني كالعادة صباح الاحد للتوجه الى مقهى يونس في شارع الحمراء علني انعم بصفاء فكري بفعل كوب من القهوة البيروتية العريقة، حتى ولو مسها شيء من جنون التربح فأضطرت ان تساير العصر وتتخذ إسماً فنياً هو “كابوتشينو أرابياتا”

معروف عن شارع الحمراء انه الجامع بين الثقافات والأيديولوجيات وما تحويه من شذوذ تنظيري وترف فكري، على انه بات من المساحات القليلة التي تجمع في طياتها مختلف شرائح المجتمع اللبناني، ويونس بالتحديد هو مقهى قد تقصده لشرب القهوة وإستنباط افكار خلاقة وجديدة كي لا تأكل الرتابة اعمالك، قصدت يونس ذلك اليوم وفي راسي أزيز معارك مستعرة في محاولة للخروج بقرار حول مشروع تدريبي لنشطاء إلكترونيين اعمل عليه منذ فترة، فتحت اوراقي على الطاولة وطفقت اقلب فيها حتى مللت، فأخذت احدق في الجالسين حولي، على طاولة في الزاوية جلس صديق لي يحاول عبثاً ان يفهم شيئاً مما يقرأ، وعلى طاولة أخرى شاب وصبية يتشابكان الأيدي وكأن الحب سيهرب ان افلتها، وفي احدى الزوايا رجل عجوز يطالع جريدة ويحارب النوم بصعوبة، وعلى الطاولة المقابلة لي، جلست فتاة تمر باصابعها (ويا لها من اصابع) بسرعة فائقة على ازرار البلاكبيري وعلى وجهها إبتسامة فهمت منها انها في لهفة للقاء احدهم، وهمت في تحليل تقاسيم وجهها كلما تغيرت تعابيره بحكم الكلام الوارد على الشاشة الصغيرة، كانت تلبس ثياباً فضفاضة بألوان زاهية جعلتها بساطتها لوحة من الرقة اللامتناهية…

استفقت من تأملاتي على صوتها تستأذن ان تسحب القابس الكهربائي الذي دست عليه بالكرسي، آه كم تشبه هذه الفتاة بيروت، بقامتها الممشوقة، وبرقتها وخجلها الذي فضحته حمرة خديها، ورافقتها بنظرات بعيدة كل البعد عن الإباحية وهي تعبر الشارع فلم اتنبه الى صوت الدراجة القادمة وهي تنهش إسفلت الطريق، بلونها الأصفر الفاقع الذي لاشك وانها لم تخرج من مصنع “ياماها” او “سوزوكي” بهذا اللون إنما طليت به كنوع من تكريس “للوظوظة” التي يمارسها الشابان على متنها حتى وما ان وصلا قرب الفتاة حتى وقف احدهما وصرخ “ولك يقبش” وما كان به إلا وان “عكشها” في مكان “مش رح قولوا” وضغط بقوة قبل ان يفلتها ويسابق الريح ضاحكاً مزهواً بفعلته…

هد الرجل بثوان ابراج خيالي واعادني الى الأرض لأدرك ان بيروت الأمس هي في خيالي، وان ثقافة الشارع الجديدة هي آفة التحرش الجنسي وانها كانت قد دخلت وتغلغلت منذ زمن بعيد، وانا من كنت اظن انها كارثة تحدث فقط خلف الأبواب الموصدة بالعادات المجتمعية والخوف وغياب الحماية والتشريع لحماية النساء ومعاقبة الفاعلين…

مرت الدراجة بقربي وانا ارمق السائق بنظرات القرف، ولهول المنظر كدت ان ارشقه بكوب القهوة لولا ان الصدمة قد تآكلت سرعة ردي، فعاجلني هو بسمفونية بيتهوفينيه من السباب إنضمت الى جوقتها إصبعه الوسطى وهو يصدح بالصراخ وكانه هندي احمر يرنم إنشودة الإنتصار.

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

2 تعليقان

  1. wlek kess ekhto wa23o 3an l mobilette

  2. This is one of the best articles i have ever read. Great Job. W eh, ra7 a3tiha min albe 😛

أضف رد على Waelboy إلغاء الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*