بيـــــــروت

أكثر من اي شخص آخر يتعرف الناشط على مدينته في إطار مغاير، فبيروت لي اكثر من غيتوهات مصغرة، واعلام حزبية على شرفات المنازل، وأكثر من شعارات شعبوية خطت بسرعة ولامبالاة على حيطان المدينة، بيروت مثلاً اكبر من شوارع ممنوعة على جماعات وملل وطوائف، بيروت هذه على عللها أطيب من صحن التبولة او الحمص المتبل التقليدي الذي “فلقوا ربنا” به، اطيب من كأس النبيذ عند آرتور في “الريغوستو”، اكثر رحابة من حانة أبو ايلي، وأكثر كرماً من طاولة السهر عند اميغو، بيروت بجمالها وعللها لا يختصرها شارع بعينه، فبيروت تمتد الى آفاق اوسع، بالتأكيد هي اكبر من وسطها التجاري حيث عرب الخليج يتربعون على اريكات المطاعم يلتهمون سيقان الفتايات بأنظارهم، وبخاصة الشقراوات منهن.


بعيداً عن النوستالجيا والعواطف، بيروت شاهد على تاريخ بلد برمته، بحلوه ومره، بيروت ازقة متعبة في الطريق الجديدة، بيروت عرق العمال في ضاحيتها، بيروت مقاتل هرم اثقلته السنون واربكه السلم في الأشرفية، بيروت عمال وكُتاب وشعراء ومنظرين، بيروت كل شيئ، وكل شيء يعمل فيها ان دفعت الثمن المناسب، بيروتي وبيروتنا هذه تجمع كل المتناقضات على طاولة واحدة “نقي واستحلي” لكن بيروت لا يكتب عنها احداً، وإن كتبوا تذكروا يوم استبد بها المرض عدوى اكتسبتها من سكانها، فأصابها الفصام وتوزعت بين شخصيتين، شرقية وغربية.

بيروت ليست سهلة المنال ابداً، قاسية هي على اهلها وسكانها وضواحيها، تذكرنا دائماً بقدرتها على المناورة، وتخيفنا ليلاً عندما تستحيل بيروتان، إحداهما نور والأخرى ظلام، بفارق بسيط، ان السبب ليس حرباً، إنما مفاضلة في توزيع التيار الكهربائي بين احياء العاصمة.

يوم تضحك بيروت، تحول إدعاءات سكانها بالعظمة الى شرائح كاريكاتور هزلي، رغم كل هذا بيروت لايزال فيها شيء من الطابع الريفي ولو اختنق قرميدها وتاريخها وسط غابات التربح والباطون المسلح.

وجه بيروت القاسي يحكمه اهل الدين والسياسة، وحدهم يروضون بيروت كفرس اصيلة شاردة، يسلبونها حريتها، وينزعون عنها براءة سكانها، ويلبسونها رسناً ولجاماً تزينه لا بل قل تشوهه المصالح والمحسوبيات والفساد، يثقلون كاهلها فتفرغ غضبها على سكانها، فبيروت مثل اهلها قد اصابها مس الجنون، وانتقلت اليها عدوى متلازمة ستوكهولم حتى كفر الناس بها ولم يعد هناك من مكان لجملة “بلادي وإن جارت عليّ عزيزة”…
فسخ الكثيرين عقود ارتباطهم المعنوي والعاطفي ببيروت، اغلبهم تركوها وارتحلوا، بيروت لم تمنعهم لأنها تدرك تماماً ما اقترفته بحقهم مجبرة، تدري بجوعهم وعوزهم للمال والقوت والكرامة الإنسانية.

تبكي بيروت احياناً لحالها، لكنها لا تحرك ساكناً لأنها اضعف من ان تحارب اوتقاوم سلطان الشر الآذاري الذي سرق ربيعها ووزعه بين اولاد 8 و 14.
بيروت، كما سكانها، تراهن على الوقت، تتسلح بالأمل، تعيش كما عائلات عمالها، يوماً بيوم، لا تنظر بيروت كثيراً الى المستقبل، آخر جرعة دواء تناولتها بيروت كانت يوم سرى في شرايينها ما يقارب 20 الف علماني مطالبين بالعدالة والمساواة والتغيير السلمي.

صباح الخير يا بيروت، صباح المواطن والعامل والصمود، صباح الفقراء وراء الخبز

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*