أم وليد

أول ما يتنامى الى مخيلتي عندما اكتب، صوت أمي تنهرني وترجوني بعاطفة الأمومة وبرضاها الأزلي ان اتوقف عن الكتابة. “بكرا بيروحوك يا ماما”، لاتنفك تكررها، وتضيف عليها ما تيسر لها من دموع وحركات بالعينين، وإيماء بالرأس، وحاجبين مقطبين، وكأنها تحاول ان تستجمع كل قوى الإستعطاف في ثنايا وجهها الجميل، لتقنع ابنها المتمرد على بيئتة السياسية والطائفية ان “يتضبضب” ويمشي مع التيار الجارف، مستسلماً، مطواعاً لقوى الأمر الواقع الطائفي. على ان أمي التي ربتني على نبذ تلك الطائفية ونصرة المظلوم، هي أكثر العالمين بحالي، وطباعي، وبكوني لن استطيع يوماً ان اسكت على ممارسات مختل حزبي، او مجنون طائفي، او مسعور مذهبي، او حتى تاجر دم ودين ونصاب محترف.

.

.

أمي، تلك الحنون الرائعة، لاتزال بالرغم من سنواتها الخمس والستون تخسر في كل معركة لحسر الدموع، عندما تخيفها اختها او جارتها، او احد الأقارب، بأسطوانة “خليه ينتبه على حالو “. حتى في غربتي القسرية عن بيروت، في قارة أخرى كلياً، وعبر الهاتف لاتترك “أم وليد” مناسبة إلا وتستحضر رضاها وتقرنه مشروطاً بالتوقف عن العبث على الفايسبوك، والبحث عن عروس، ووظيفة في بلد بترولي تدر عليّ الربح الوفير، لأن التدوين والنشاط الألكتروني لا يؤكل خبزاً، ولا يغني عن العوز، فقد لامست عتبة الثلاثون، ويكاد قطار الحياة ان يفوتني كما تقول.

أمي، كغيرها، فقدت الأمل في كل تغيير، تنصاع لسلطان التلفزيون، فيتقلب مزاجها السياسي بحسب المحطة، تارة تقتنع ان رفيق الحريري رجلاً طيباً اغتالته المخابرات اللبنانية – السورية، ثم تعود لتنقلب لمساندة الطائفة المهددة بالسلطان الخليجي وبالمؤامرة الكونية الصهيو-اميريكية.

أمي، لا تختلف كثيراً عن تلفازها، طبخت للمقاتلين الشيوعيين، واشفقت على المقاتل القواتي الملقى على الطريق، وتصدت كما غيرها من سكان المبنى لفرقة سورية كاملة ارادت احتلال المبنى.

أمي لا تعرف الكراهية، تحب الجميع، تصدق بطيبة كل من يرفع علماً لبنانياً ، حتى ولو اخفى في ظلة سكيناً، يوم عدت من الإعتقال لم تسأل عن غيابي، ولم تزل، لا تعرف شيئاً عن تلك الحقبة، يكفيها انها بكت ولامست ظهري وكانها تتأكد من سلامة عظامي، هي حيلة تنطلي عليها حتى الساعة.

أمي، لم تبك يوم عدت مكسور الخاطر من وزارة الدفاع، نامت اياماً على تلك الكنبة تنتظر رجوعي، تدعو بكسر اليد على صديقي حسين لأنه “خرب عقلي” وسبب اعتقالي لأجل منشور!

أنا لست كتلفاز امي، انا ابكي ان ظلمت لا إن ظُلمت، أنا، ولا أعوذ بالله من كلمة أنا، وبنرجسية مطلقة، صوت للسان امي الذي لا يقوى على النطق.

الى أمي في بيروت، وصديقتي البطلة مرسيل، ابنة الشهيدة مارينا شحوارو في سوريا…

إعلان مدفوع

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*