مياومون، مياومين

ثمة امثولة لبنانية قديمة تقول “إن بزقنا لفوق على شواربنا، وإذا لتحت على ذقنّنا”، استحضرت هذه الإمثولة اليوم وانا اشاهد فيديو على الإنترنت عن إعتصام العمال المياومين في شركة كهرباء لبنان، فهؤلاء كما اللبنانيين الساجدين لنعمة 4 ساعات من التيار الكهربائي، عالقين بين مطرقة جبروت وعناد التافه جبران باسيل وسندان سماسرة المحسوبيات في حركة أمل.

مشكلة العمال المياومين تتشعب ولا تنتهي، وتأسر معها الشعب اللبناني بجميع فئاته ما عدا الفئة السياسية “المتشرمطة” والمتعنعمة بخيراته. أمراء الحرب، هؤلاء اولاد قانون إنتخاب الستين كلب الجاثمين فوق صدور اللبنانيين ببركة تجار الهيكل، وباعة اليمام، اصحاب اللحى واللفات والصلبان والقلنسوات المازوشيين الفاعلين فينا كل انواع الإحتلام والإستمناء الطائفي السياسي.

يوم وقع العمال المياومون عقودهم، كانوا على بينة تامة بمحدودية هذه العقود، وانه قد يحل يوم يأتي فيه وزير مؤهلاته الوحيدة انه “صهر” جنرال داحس والغبراء ليرمي بهم خارجاً، وقعوها وإرتضوا ان يركبهم “الإستييذ” إنتخابياً عوضاً ان يغتصبهم شبح الجوع، السيناريو الأقرب للواقع ان “أم علي” أقنعت زوجها ان يذهب ليسترضي مسؤول حركة أمل في الحي كي يتوسط له ليحصل على وظيفة بدلاً من “اللوطعة” في الشوارع والإستدانة من الأقارب، مؤكد ان “أبو علي” هذا لم يحسب حساباً للمنظرين الفايسبوكيين ولا لخزينة الدولة المرهقة، حسابه الوحيد ربطة الخبز وعدد ارغفتها الآخذ في الإضمحلال يوماً بعد يوم في أزهى عصور البلطجة والتشبيح السياسي.

لم يرف جفن ابو علي لمأساة زوجة الوزير جبران باسيل التي اقامت حفلة عيد ميلادها في فندق لأن الكهرباء في بيتها مقطوعة (حرام، على اساس ما عندو موتير بالفيلا العشرة نجوم)، لكنه بكى بحسرة عندما تمردت آخر عشرة آلاف ليرة في جيبه ورفضت الإنصياع لمطالبة ابنه علي ببنطالون جديد إسوة بأصدقاءه.

.

.

معركتهم مسيسة؟ نعم طبعاً، معركتهم سياسية؟ بالتاكيد لا، هؤلاء معركتهم واضحة، ضد الجوع، معركة “أبو علي” ضد الدولة المتخاذلة التي تجبره ان يقبل يد الزعيم السياسي و”يندحش” بمؤخرته لأن لابديل آخر له، هو لا ينتخب “الإستييذ” لأن عيونه دباحة، ولا لأن قامته ممشوقة، ولا لأنه حامل إرث موسى الصدر، لاشيء من هذا، بل لأن حياة عياله وحياته برمتها تعتمد على بقاء الزعيم لتبق له الوظيفة، هؤلاء لم يتركوا له سبيلاً أصلاً، افقروه واكلوا إقتصاد البلاد بالتكافل والتضامن مع الفريق الآخر.

أبو علي هذا لايخدم البروليتاريا الكادحة، فأنفضت حلقة الفلوكلوريين المنظرين بها من حوله، ولا يخدم خطاب المحكمة الدولية أيضاً، فبالتالي لا قيمة له، أبو علي يخدم من أعطاه عملاً. اقصى طموحه هو ان يصبح موظفاً ثابتاً ليؤمن ديمومة المدخول، هو على الأرجح لايدرك ان هناك الآلاف من الموظفين الحكوميين من اصحاب التواقيع الصباحية وشباك القبض الشهري فقط، لايدرك حجم الهدر و الفساد  والمحسوبيات في الإدارات الرسمية، لايدري ان هؤلاء ودائع بشرية سياسية، مدخولهم مجتمعين يكاد يكون ضعف ما تجنيه المؤسسة من عائدات الكهرباء، لا يفقه كلمة من المفردات الإقتصادية الثقيلة التي يستعملها المنظرون. بأضعف الإيمان، الرجل يدرك انه في قلب دوامة التسييس للقضية بين العونيين وحركة امل، والأخيرة لو ارادت ان تساعده حقاً لكانت لجأت لولي نعمة ميشال عون، اي حزب الله، غير ان هؤلاء يخوضون معارك على جبهات أخرى، شبيحة باسيل الذين دبت فيهم النخوة الوطنية منهمكين بالدفاع عن وزارة الصهر، فيما بلطجية “الإستييذ” يزكزكون الحليف اللدود من موقع المنتصر، وكيف لا وهم ياكلون ماساة أبو علي كل يوم مئات المرات.

أطردوا الطفيليات من الإدارات، طهروها من القحاب، لنوظف المياومين، لنمنع ان يستغل شبيحة ” ابو خشبة” حراكهم، او ان تهاجمهم كلاب باسيل المسعورة، اين كان المهاجمين والمدافعين على مدى السنوات الماضية؟ اين كان ابو خشبة حامي الحمى كل هذه السنين؟ واين الباسيليون من الدفاع عن وزارات اخرى لا يقودها الصهر؟

أنا لست بالضرورة مع تعيين المياومين كلهم، فقد لاتحتمل الخزينة المرهقة ضريبة على العجز المضاف، انا مع إنتفاضة هؤلاء نحو حقوقهم المشروعة في العيش الكريم، من الظلم ان تحصر معركة المياومين في مؤسسة الكهرباء، او ان يختصروا بوصف جماعة نبيه بري، هذه معركة كل اللبنانيين بوجه الفساد في الإدارات، بوجه السياسات اللاموزونة لشبه الدولة اللبنانية، هذه معركة بوجه أكلة الحق العام، بوجه الطبقة السياسية التي تتعمد الإفقار لتسيطر على الأفكار، معركة بوجه دولة بلا هيبة وشعب يكتفي بالتنظير الكثير والعمل القليل.

لا جدال، المسؤول الأول والأخير عن كل هذه المأساة هو الطبقة السياسية اللبنانية التي تتقاسم البلد كقالب الجبنة، فتودع المحسوبين عليها في وظائف هم بغنى عنها، وتمتنع عن توظيف الجوعى والمساكين، تمن بالقليل القليل منها لبضع اصوات إنتخابية حين يقرع ناقوس الإنتخابات، تماماً كجرارات الزفت التي تمسد الطريق تمهيداً لمعارك ووعود تلحس فور صدور النتيجة.

المياومين ضحايا، كما الشعب كله، كلنا مياومون، نياوم على الشعور باليأس والاسى على حالنا، كلنا مياومون على 6 ساعات من الكهرباء نتيجة للهدر، نتيجة للسرقة، نتيجة لغياب السياسات، كلنا مياومين، كلنا على شفير الهاوية لأننا عاجزون عن الإتيان بنخبة سياسية جديدة تثبتنا جميعاً في مرتبة مواطنين فاعلين، لا مطية مهمشين.

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

4 تعليقات

  1. عظمة على عظمة يا أبو الغلابة

  2. نحنا شعب متل البسينات بلحسونا المبرد ومننبسط بدمنا٠٠٠

  3. طرح رائع من مدونة أكثر من رائعة
    مشكور

أضف رد على nabil إلغاء الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*