همّدر…

ثمة إعلان ضخم مثبت على مدخل المسرح، يعلن للجماهير عن قرب عرض مسرحية بعنوان “زمن الحروب”، ولما كان المسرح هذا يقع في أول الشارع المؤدي الى بيتي، بات لزاماً عليّ ان استذكر الحروب وزمانها مرتين يومياً ، افتتح مشاهداتي الصباحية بذكراها النكدة، لاعود وأغلق عيناي المترنحتان من التعب على صورها ايضاً.

في الحقيقة، يبدو انني الوحيد المنزعج من الأعلان، فيما سكان الشارع التونسي قد ألفوه، ومنهم من ينتظر بدء العرض بفارغ الصبر، ربما لأن ذكريات الحرب في هذا البلد ترتبط بالبطولة وبتاريخ أليسا وقرطاج، فيما انا، اللبناني المهاجر، أشعر وكأنني قادم من قلب تلك الصورة، بتفاصيلها الدموية، وتعرجاتها، والوانها القاتمة، كل شيء، هو واقع مرير، لا بطولة فيه، بل جبن ودمار وخبث.

في صور اعلان زمن الحروب أمام المسرح، اطفال يركضون، مرة جديدة أخال نفسي خارجاً من منحنيات الصور، أنا من لطالما فشلت في تدجين نفسي للتعاطي مع مشاهد الدمار، ولا أزال الى اليوم، أذكر اول جثة رأيتها في حياتي، من شباك حافلتي المدرسية، في منطقة المريجة، شاب عشريني اصابه القصف فسقط امام مدخل مدرسة “الفرير”، في شارع صدف ان كان اسمه.. “المحبة”.

غير آبه بهذه السطور التي ستكتب بعد نيف وعشرون عاماً على الحادثة، “شوفوا يا ولاد”، بأشارة من اصبعه الى الشاب المسجى على مدخل المدرسة، طبع “همدر”، سائق الحافلة، صورة القتيل في عقولنا ليستعملها عن سابق تصور وتصميم كلما اقتضت حاجته الى إسكات ضجيجنا في الحافلة، كلمة “بجبلكن الميّت” كانت كافية لأن تخلق صمتاً مطبقاً محبباً الى قلبه، كي يأنس بالحديث الى “أسمهان” زوجته الحسناء التي اختطفها من منزلها رغماً عن انف ابيها الذي وافق على مضض، لأنه بات وحيداً في منطقة تغيرت معالمها الجغرافية والدينية بفعل الحرب.

لم يكن “همدر” يدرك فظاعة ما اقترفه من ذنب، لم يفكر، ولو لبرهة، في مقدار الكوابيس التي سببها، وبالتأكيد لم يكن ليدرك كم جعل ليلنا طويلاً، الى اليوم.

“همدر” وهي الكنية التي يفضلها على أسمه الحقيقي “محمد”،  ويعتز بنسبها العشائري الذي يزرع الرعب في النفوس، باتت عنواناً للقسوة وشدة البأس، كنا كلنا نحن الأطفال نريد ان نصبح “همدر”، في الأستراحة نلعب “همدر” والحرامي. كان للرجل هيبة يعززها مسدس مزروع على خاصرته (ولو في حضرة التلاميذ)، فهو عنوان الرجولة في مقياسه، هو من محبذي مقولة “السلاح زينة الرجال”، غير ان لزينة “همدر” استعمال آخر، لم افهمه في حينها، كان الرجل يستل المسدس ويداعب به فخذي زوجته سراً، لم يكن أحداً ليرى هذا المشهد اليومي إلا انا بحكم جلوسي في المقعد خلفه مباشرة.

بسرعة هرمنا في تفاصيل الحرب، كان كل شيء مرتبط بذكراها، مدرستي المسماة على أسم عملية اغتيال، بيتي وفتحة خلفتها رصاصة على الشرفة، شارعي والرصاص في المناسبات السعيدة، مدن اصطياف ارتبط اسمها بهجراتنا المتكررة لا بالسياحة، .. حتى أسمي، ورثته عن ابن خالتي “الشهيد” بعد ان تخلى والدي عن تسميتي “مارون” نكاية بالمتحاربين الطائفيين.

زمن الحروب قلتم؟
ماذا تعرف المسرحيات عن الحروب؟ ماذا يعرف الفن عنها؟ ماذا يعرف الراقص على انغام العود على خشبة المسرح عن رقصة الموت والجسد المسجى في المثوى الأخير؟ أبطال المسرحيات هؤلاء جبناء سارقين، سلبوا المآسي وعلبوها في “امبلاج” مزين بالدراما لتصبح قابلة للبيع والأتجار.

زمن الحرب قلتم؟ وأي زمن؟

في زمن حروبنا نحن مآس، آلام، دموع، في مفردات ذكرياتها دم يحتل الشارع، قاتل اصبح هو العرش، قتيل بات اسمه لافتة، ووطن يعاني المخاض كل يوم، ولا ينجب سوى مزيد من الألم وطول العذاب.

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*