لم أعد نجماوياً يا حسين

حالما حزمت خياراتي وامتعتي ووضبتهما معاً في حقيبة الهجرة، شرعت اودع الرفاق واحداً تلو الآخر في مشهديات بدت في حينها غاية في الدراما والإنكسار، وحده وجرياً على عادته، رفض صديقي حسين ان يكون الوداع تقليدياً، “الشعطة” الفنية فيه دفعته الى ان يضع للرحلة الأخيره سيناريو من إخراجه، أراده طفولياً جنونياً، نسترجع فيه ذكريات سنفتقدها كثيراً حالما تلفظ أنفاسها الأخيرة. فحملتنا السيارة العجوز الى صيدا لمشاهدة مباراة في كرة القدم يخوضها فريقنا المفضل، النادي الاعرق، النجمة بيروت.

ثمة مفارقات كثيرة في إختيار حسين لسيناريو الوداع، ربما لم تكن كلها نصوص كتبها في مخيلته وركنها بين موسوعة السينما التي يختزنها هناك، ربما هي الصدف، وربما كان صديقي اكثر عمقاً في رؤيته للمستقبل، وكأنه يقول ان الهجرة لم تعد حكراً على الناس، بل على روحية ومعاني ابسط الأشياء التي كانت في طفولتنا تعني لنا الكثير.

nejmehمفارقات تلك المباراة لم تكن فقط في ان نادي النجمة حبيب الجماهير الكروية، بل كانت بما يمثله النادي منذ كنا أطفالاً، هو ناد بسيط، إمتد وتوسع من شاطىء المنارة في بيروت، ليسحر كل الوطن، وليداعب حلم اللعب فيه مخيلة اطفال الملاعب في الأزقة، كان كل لاعب في نادي النجمة بطلاً له شعارات وهتافات خاصة به على المدرجات، من حاطوم وشاتيلا، الى الكوري وحمادة عبد اللطيف، الى المايسترو موسى.
كنا نكبر والنجمة تمثل لنا الكثير، بتظلمه والظلم الذي كنا نظن انه يقع على الفريق، كان وكأنه حاله يساريه كبرى، تقاتل سلطان المال في نادي الأنصار، وتقاوم من أجل حقوق العمال والفقراء، كيف لا؟ والنجمة متنفسهم الأخير، يدخرون الخمسة آلاف ليرة لشراء بطاقة الدخول الى الملعب في نهاية الأسبوع. كثر كانوا يحضرون الى الملعب من العمل مباشرة، ثيابهم متسخة بشحوم الكاراجات، وزيوت الأفران ودهان الحيطان، كان لوقع سمفونية النجمة تأثير مسرحيات زياد الرحباني على المراهقين السياسيين. كان نادي النجمة وكأنه يكتب تاريخ نضالنا الطويل.

نادي النجمة عابر الحواجز والمناطق والطوائف، اخرجنا من عزلتنا المناطقية، خرجنا في حبه الى طرابلس وتجولنا في أزقتها بأنتظار بداية المباريات، ذهبنا كالحجاج الى جونية نطوف قرب كشك فلافل “أبو طوني” ننتظر دورنا في “سندويش” يعطينا الطاقة لنهتف ونصرخ، زرنا صيدا وأكلنا من “سنيورتها” قبل ان تصبح الحلوى رمزاً سياسياً، وقبل ان تنبت الذقون في الملعب بدل العشب الأخضر.

إن تذكر يا صديقي، في رحلتنا الأخيرة، اصريت ان نتبع التقليد الصيداوي، ان نأكل الحلوى ونشرب الماء من الأبريق المعكر على الطاولة إمعاناً في إستعادة الذكريات، املاً ان يبق منها شيئاً بعد ان اطير الى تونس.

في تونس يا صديقي اقتصرت متابعتي المتقطعة للنجمة على ما يبثه التلفاز، ومن جملة ما بث بالأمس صوراً للجمهور الذي ما عاد يشبهني ولا يشبهك ولا يشبه أحد من هؤلاء المخلصين، شعب النجمة المتمرد يا صديقي اصبح مطواعاَ، كان يكسر قرارات أكبر الهيئات الإتحادية والسياسية، اليوم هو عاجز على ان يتصدى لقلة تسحبه نحو آتون الطائفية. لم تعد “النجمة حلوة برجالا” كما كنا نصرخ حتى تصيبنا البحة.

حسين، ترددت في ان اقلق نومك بالأمس، هل اتصل بك في عز الأرق؟ ولأخبرك ماذا؟ ان شعب النجمة العظيم يهتف إحتفاء بمجزرة بانياس؟ سمعتهم يا صديقي، كانوا يهتفون بحياة القاتل، يستحضرون شعارات تستمزج الطائفية بالأعضاء التناسلية على وقع الطبلة الشهيرة في سمفونية بشعة،  بعد ان كانت تلك الطبلة ذاتها تشعل حماستهم لشعار “الله لبنان نجمة وبس”. صدق او لا تصدق، رأيتهم يهتفون “الله سوريا بشار وبس” كانوا منتشين بالدم، برائحة الكراهية، لو كانوا في طرابلس لحطموا أزقتها، ولو كانوا في جونية لفككوا كشك ابو طوني، ولأنهم في صيدا ونكاية بمن يعتبروه عدو الداخل فعلوا ما فعلوا، النجمة يا حسين لم تعد يساراً ولا حتى يميناً، لم تعد تناصر المظلوم بل اصطفت مع الظالم، لم تعد “نجمة يزهو بها لبناننا والعرب” كما كانت تقول الأغنية.

صديقي، ربما كانت الكتابة اقل وقعاً مما ما كنت سأقوله لك على الهاتف، كنت سأقول انني لم اعد نجماوياً يا حسين، انما في الواقع نحن لانزال نجماويون، هم من هجروا، والى غير رجعة.

اوتدري؟ ربما بعد كل هذا، سأشهد ان اختيارك لمشهد الوداع كان أكثر سينمائية مما ظننت، ما من دراما أكثر تعبيراً، اسدل الستار يا صديقي، سننام الليلة بلا نجوم.

فيديو جمهور النجمة يهتف لبشار الأسد يوم مجزرة بانياش

===

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

4 تعليقات

  1. مؤلمة و فجة و حقيقية ززز لازم تكنب كتاب انت … من أجمل المدونات

  2. يعيك العافيه ماقصرت

أضف رد على عبد الكريم أنيس إلغاء الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*