لا تبتلعوا الطعم

بالأمس رمت الطبقة السياسية اللبنانية بشقيها الآذاريين الطعم الأول في مستنقع الأخذ والرد، فتهافت كثيرين لإبتلاعه، هو جوع لإنتصار ما تحرزه جمعيات المجتمع المدني التي اصبحت على شاكلة النظام السياسي اللبناني، تقتات من عوز المجتمع اللبناني لمن يحمل قضاياه، اضافة الى دفق الأموال والهبات من الخارج.

domestic-violence-kafaما ان اعلن عن إقرار مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري في اللجان النيابية، حتى غمرت الفرحة الناشطات والناشطين، وما عاد بالأمكان ان تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي دون ان تغرق في سيل التهاني والتبريكات المتبادلة التي جرفت الأحداث السياسية، لم يعد من متسع بالأمس للحديث عن الشريط المصور لأحمد الأسير، ولا مكان لنقاش إدراج حزب الله على لوائح الإرهاب الأوروبية، بدا للوهلة الأولى ان انتصاراً ما قد تحقق، وان جمعيات المجتمع المدني قد نهضت من رمادها كطائر الفينيق.

وسط اسهاب النشطاء في إهداء النصر لروح رولا يعقوب، السيدة التي قتلها فائض التستوستيرون عند زوجها، غاب عن اذهان المحتفلين الكثير من العواقب التي قد تصاحب اقرار القانون المحق، فالطبقة السياسية اللبنانية التي تمننا بأقرار قوانين هي بالأساس حقنا الأنساني الطبيعي والبديهي، تبيعنا ايضاً سماً في العسل. لاشك ان الجميع (وعلى رأسهم جمعيات المجتمع المدني التي بادرت بالتبريك والتهنئة) يعلمون ان المجلس النيابي اللبناني الممدد لنفسه هو لاشرعي ولادستوري، وإن كانت هذه الجمعيات او اولئك الناشطين في طليعة المتظاهرين منذ اسابيع تنديداً ورفضاً للتمديد، معتبرين المجلس النيابي اللبناني فاقداً للشرعية الشعبية، كيف يحتفلون اليوم باقرار قانون في لجان نيابية لاشرعية على يد نواب سابقين ينتحلون صفة تمثيل الشعب اللبناني؟

تقول الفقرة “د” من مقدمة الدستور اللبناني ما حرفيته ” الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية.” ما يعني لا ان حكم دون شرعية شعبية، ومع ذلك يستمر نواب ذاك المجلس في مصادرة حق اللبنانيين في الإقتراع واختيار ممثليهم عبر التمديد الذي اعتدى على الدستور والشعب، وغيب اسس الديمقراطية و تداول السلطة، واستمر في اعتدائه على المؤسسات الدستورية مستغلاً النفوذ الطائفي والزعاماتي لتعطيله بغية تمرير التمديد.

في محاولة لشرعنة التمديد، وكأن شيئاً لم يكن، قد يكون اقرار القانون بالأمس هو الطعم الأول الذي ترميه الطبقة السياسية اللبنانية في بحيرة المجتمع المدني، الذي سارع للأسف لأبتلاعه كرد فعل اولي، وهنا يكمن الخوف في ان يستمر فاقدي الشرعية برمي الطعوم واحداً تلو الآخر، بداية عبر مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري، وربما غداً عبر اقرار سلسلة الرتب والرواتب، ومن ثم الزواج المدني.. الى ما لا نهاية حتى يصبح التمديد ومصادرة قرار الشعب أمراً واقعاً نرضى به جميعاً، في مقابل حفنة بسيطة من المطالب المحقة التي نفطفها مفخخة!

حتى قبل الخوض في تفاصيل القانون الذي اقر، وليس من قبل الحكم على النوايا، بل التأكيد، من واقع التجربة المريرة والطويلة مع الطبقة السياسية اللبنانية بشقيها الآذاريين، لابد وان مشروع القانون قد اقر مفخخاً، وهناك جملة من الأسئلة، هل تضمن القانون مواداً تجرم الإغتصاب الزوجي، كون العديد من النواب (السابقين) قد اصروا على إلغاء هذه المادة، وهل يحدد القانون ويلحظ المرأة؟ ام انه جرى انقاصه عبر تحويله الى قانون يشمل كل الأسرة ليتم اللجوء فيما بعد الى المحاكم الدينية الخاصة بكل طائفة؟ وماذا عن حضانة الأطفال؟ الى كل ما هنالك.  حتى هذه التفاصيل الدقيقة في مشروع القانون كلها تبدو تافهة امام حتمية الأمر ان ما بني على (مجلس نواب) باطل، هو حكماً باطل.

لابد هنا للناشطات والناشطين ان يعيدوا ترتيب اولوياتهم، لا ان يبتلعوا طعم التمديد، وان يتنبهوا الى خطورة التسليم بالأمر الواقع، وان هذه الديكتاتورية الجديدة تمننا باقرار حقوقنا التي حجبتها عنا لسنوات، وان إهداء الإنتصار لرولا يعقوب و لكل سيدة معنفة لا يجوز، إلا حين يكون نصراً كاملاً، دم رولا الذي اُهدي له النصر بالأمس يجب ان يستجلب حماية للنساء من الإغتصاب الزوجي، والعنف الأسري، وان يستجلب ايضاً حماية للشعب من العنف السياسي، لا ان يذهب هدراً لشرعنة التمديد واغتصاب السلطة.

.AD01

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

تعليق واحد