الصورة من موقع المحكمة الخاصة بلبنان على فليكر
الصورة من موقع المحكمة الخاصة بلبنان على فليكر

لماذا المحكمة الخاصة بلبنان؟

بداية، اتمنى ان لا يفهم كلامي على انه دفاع اعمى عن المحكمة الخاصة بلبنان، انما محاولة هادئة للغاية لتصويب مسار النقاش حول المحكمة. فخلال جولتي بالأمس على مواقع التواصل الأجتماعي لاحظت ان الرفض او التأييد الفيسبوكي للمحكمة ينبع من خلفيات محض سياسية قد لا تمت للواقع بصلة.

الصورة من موقع المحكمة الخاصة بلبنان على فليكر

الصورة من موقع المحكمة الخاصة بلبنان على فليكر

اتت الذرائع الفيسبوكية على الشكل التالي:

  • لماذا المحكمة الدولية لأجل الحريري وليس لأجل اغتيال الرئيس كرامي، و آل شمعون، او آل فرنجية؟
  • لماذا لا يحظى شهداء الحرب اللبنانية بمحكمة دولية؟
  • لماذا لا تحاسب المحاكم الدولية اسرائيل وارييل شارون على المجازر في لبنان؟
  • لماذا لا يلجأ لبنان الى المحاكم الدولية بمواجهة اسرائيل في الموضوع النفطي؟
  • لماذا لا يحق للبنان اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية؟
  • المحكمة الدولية تستهدف حزب الله فقط
  • هناك استنسابية واضحة في مفهوم العدالة

تأتي الأجابات على الأسئلة اعلاه كالتالي:

أولاً: لبنان لم يوقع على نظام روما الأساسي  Rome Statute  المختص بالمحكمة الجنائية الدولية International Criminal Court وهي المحكمة الدولية المختصة بمحاكمة الأفراد مرتكبي الجرائم ضد الأنسانية وجرائم الأبادة الجماعية، ما يحرمه من حق الأدعاء على اشخاص متورطين بالمجازر التي وقعت خلال الحرب، لبنانيين او اسرائيليين (أرييل شارون مثالاً) بالمناسبة تمتع لبنان عن التوقيع عام 1998 تحت الضغط السوري حينها وبموافقة الحريري نفسه.

ثانياً: لا يستطيع لبنان اللجوء الى محكمة العدل الدولية  International court of Justice لمقاضاة اسرائيل على ارتكاباتها، لأن نظام المحكمة يقتضي بأن يوافق الطرفان على الأحتكام اليها، بالتالي ان أراد لبنان الأحتكام اليها فسيستلزم ذلك رضى الطرف الآخر، لذا استبعد ان تتفق الحكومة اللبنانية والأسرائيلية على الأحتكام للمحكمة. (ملاحظة: سبق للبنان ان ربح دعوى ضد فرنسا متعلقة بأسهم شركة الجر والتنوير وخسر اخرى في المحكمة مباشرة بعد الأنتداب)

ثالثاً: يمكن للبنان اللجوء الى المحكمة الدائمة للتحكيم  Permanent Court of Arbitration للتقدم بشكوى ضد اسرائيل  في الموضوع النفطي مثلاً، كونها المحكمة المختصة في الفصل في النزاعات بين الدول، لكن ايضاً هذا يستلزم موافقة طرفي النزاع للجوء الى التحكيم (سبق وان اعلنت اسرائيل شفهياً نيتها اللجوء الى هذه المحكمة ضد لبنان).

رابعاً: الأرتكابات التي وقعت من قبل افراد او ميليشيات خلال الحرب اللبنانية لا تحتاج الى محاكم دولية بالضرورة، بل كان من المفترض ان تتم معالجتها عبر محاكم محلية او مجالس وطنية (برعاية واشراف دولي) في عملية تسمى بالعدالة الانتقالية Transitional Justice  وتلك تحمل عدة اوجه كالسجن، او الأعدام، او العفو مقابل الإقرار بالذنب، و / او المنع من المشاركة في الحياة السياسية (العزل) وما شابه، وصولاً الى المصارحة والمصالحة الوطنية تحقيقاً للعدالة لأنه من حق اهالي المتضررين معرفة حقيقة ما حصل لأبنائهم. (كما في جنوب افريقيا والمغرب،..)  لكن هذه العملية غابت عن لبنان كلياً، واستعيض عنها بقانون العفو الشامل عن كافة الجرائم المرتكبة خلال الحرب، السبب طبعاً واضح، وهو ان الطبقة السياسية اللبنانية بأكملها اعادت تدوير نفسها ليتحول امراء الحرب الى نواب وممثلين عن الشعب، بالتالي هم من اصدر العفو عن انفسهم وعن بقية المرتكبين. وهي تشمل الأغتيالات السياسية والجرائم وباقي الارتكابات في زمن الحرب.

خامساً: ان المحكمة الخاصة بلبنان ليست محكمة دولية (اسمها المحكمة الخاصة بلبنان وليس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كما يسميها الاعلام اللبناني) وهي ليست محكمة تابعة للأمم المتحدة ولا جزءاً من النظام القضائي اللبناني، بل هي هيئة مستقلة غير أنها تحاكم الناس بموجب قانون العقوبات اللبناني لثبوت عدم قدرة لبنان على تقديم محاكمة عادلة وغير مسيسة على أراضيه، وهي ايضاً حل بديل لعدم توقيع لبنان على على نظام روما الأساسي.

سادساً: بحسب نظام المحكمة، حتى ولو ثبت باليقين ضلوع المتهمين الخمسة في جريمة 14 شباط عن سابق تصور وتصميم وحتى بتوافر كامل النية الجرمية وحتى لو تم القبض عليهم واعترفوا بالأنتماء الى حزب الله، وحتى لو وصل الأمر الى حد اعترافهم بأنهم تلقوا الأوامر من قيادة حزب الله، لا يمكن للمحكمة الخاصة بلبنان الإدعاء سوى على المنفذين وكل من شارك معهم في العمل الجرمي على الأرض. لا صلاحية للمحكمة في محاكمة الآخرين او الهيئات المعنوية.

سابعاً: ان كان من حجة لأستنسابية العدالة فهي بالتأكيد ليست اي من الحجج الواردة اعلاه، ان حجة الاستنسابية تكمن فقط في نقطة واحدة، هي ببساطة تحميل الدولة اللبنانية اعباء تأمين 49% من مجمل مصاريف المحكمة الخاصة لمحاسبة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فيما لم تفعل الدولة اللبنانية ذلك من أجل كل اللبنانيين ضحايا عمليات الأغتيال والتفجيرات خاصة في الآونة الأخيرة (الضاحية، طرابلس، الهرمل).

عطفاً على ما تقدم، اكرر لست بوارد الدفاع الأعمى عن المحكمة، وما ورد اعلاه يصب في خانة تصويب النقاش فقط، لكن للأنصاف والشفافية، اقر بأنني شخصياً وبحكم اطلاعي على آلية عمل المحكمة خلال زيارتي الى المحكمة الخاصة بلبنان خلال احتفاليات هولندا بمئوية قصر السلام في لاهاي، فأنني مؤمن ان المحكمة ستكتب تاريخاً عادلاً بعيداً عن تسخيف واتهامات الأفرقاء المتضررين منها، او المستفيدين المتاجرين بها لمصالح سياسية، وهذا على عكس النقاط السبع التي وردت اعلاه، اجتهاد شخصي قد يحتمل الخطأ والصواب.

وصلات مفيدة لمن يرغب بمتابعة النقاش (بهدوء)

  • تعريف المحكمة الخاصة بلبنان هنا
  • نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية Rome Statute هنا

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

8 تعليقات

  1. It is too early to defend the court or attack it. We will need a few years to be able to go through the transcripts, evidence, etc. if we want to form a serious opinion about the proceedings as well as the investigation. The only question that keeps coming back to my mind though is the assumption that all the crimes have the same perpetrator, even though for ex we know Gemayel’s shooting had to do with fath el islam, and why should we assume that the hezbollah members that were assassinated are necessarily outside of the scope of the tribunal. Isnt it plausible that the Syrian regime might have killed them to quiet information they had? You know, just hypothetically. I think this categorisation of the assassinations is purely political, and very shaky.

  2. على قاعدة النقاش بهدوء، أريد معرفة رأيك تجاه إعتماد المحكمة على حركة الإتصالات الخلوية كأدلّة، و لم تتطرق (المحكمة) إلى مضمون هذه الإتصالات.

    • انا لست محققاً جنائياً لأجزم، انما لا اعتقد ان المحكمة ستعتمد على الاتصالات وحدها، من المبكر جداً جداً البحث في صواب الأدلة ونقاشها لأن هذه المحاكم تحتاج الى سنوات طويلة، راجع المحاكم الخاصة بسيراليون ويوغوسلافيا السابقة، الأنسب هو ان يبقي الجميع اعينه مفتوحة على المحكمة وسيرها، وإن ظهرت ادلة غير كافية او غير جازمة هناك حديث آخر، إنما لاتزال الأمور في المرحلة التمهيدية ولم يتم التطرق الى الأدلة التي ستعتمد بعد، ما يحدث الآن هو عرض للأدلة والفرضيات ليصار الى ترقيمها وادراجها في المراجع، على ان يصار لاحقاً الى التطرق لعلاقتها بالجريمة وتفصيلها، العرض ثم الوقائع، التدوينة بشكل عام لا تهدف الى الدفاع عن المحكمة بل سرد بعض الوقائع المتعلقة بأنشائها، على سبيل المثال لدي مشكلة كبرى في واقع المبالغ الطائلة التي تتكبدها الخزينة اللبنانية كمساهمتها البالغة 49% من تمويل المحكمة.

      • فإذاٍ الحكم على النتائج و ليس على النوايا، أشكرك على رحابة صدرك و أتمنى منك متابعة موضوع المحكمة دورياً لنرى ما ستؤول إليه الأحكام.

      • إستفسار بسيط نسيت أن أدرجه في الرد السابق.
        لم أفهم ما هو القصد من قولك “فأنني مؤمن ان المحكمة ستكتب تاريخاً عادلاً”، ألم تتسرّع في الحكم ؟

        • المقصود ان وجود المحكمة سيؤمن العدالة، إما إدانة وإما براءة. بمعنى انه ان كانت الأدلة جازمة حكمت بالعقاب، وانه ان كانت الأدلية غير كافية او باطلة او غير مقنعة فستجبر على اعلان براءة المتهم لأنها لن تمتلك اي سبب لإتهامه على مرأى ومسمع الكون، فالتاريخ هو الفيصل هنا وليس المحكمة بالضرورة، وانها في حال حكمت عمداً بالباطل (وهو ما استبعده شخصياً) فالتاريخ ومسيرة المحكمة سينصفان المتهم.

  3. لا أدري ما الذي ستثبته المحكمة مع مرور الأيام و الليالي أهي عدالة تلوح في الأفق ، أو ستضعنا في غياهب النفق
    على العموم شكرا على التدوينة

أضف رد على تريلا إلغاء الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*