نبش القبور وكشف المستور

بعد جوقة النكات والنكات المضادة عن هزلية موقعة الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية اللبنانية، والتي شاركنا فيها جميعاً بالأمس، كان لابد من التوقف لبرهة للحديث بجدية عما حصل في الجلسة وعن اسبابه، لأن الأمر ليس بالسطحية التي نتصورها، بل انه يلامس تقريباً كل العقد اللبنانية منذ ماقبل الاستقلال مروراً بالحرب الأهلية وما تلاها، الى يومنا هذا.

منذ ان وضعت حرب لبنان اوزارها “عسكرياً على الأقل”، ونحن نعيش حالة من الصراع والحرب الغير معلنة، وان كانت هذه الحرب قد استترت منذ 1990 الى 2005 بكابوس الوصاية السورية، الا انها طفت الى السطح بمجرد ان واتتها الظروف الأقليمية بعد اغتيال الرئيس الحريري والانسحاب العسكري السوري من لبنان. بمعنى آخر ان خلافات الحرب لم تتبخر بل انها طوت صفحتها مؤقتاً بفعل النفوذ السوري الذي رضخت له الطبقة السياسية اللبنانية مستسلمة، على اختلاف توجهاتها، فيما عدا استثناءات بسيطة.

nabih-berri132تتألف الطبقة السياسية اللبنانية بأغلبها من امراء حرب طائفيين، رموا بنادقهم ولبسوا ثوب البراءة تبعاً لإتفاق الطائف الذي رعى نشوء هذه الطبقة وغذاها بتسويات اقليمية ودولية متلاحقة، وباتت هذه الطبقة تطبق على مقاليد الحكم في لبنان اطباقاً شاملاً، خاصة بعد ان وزعت الحصص فيما بينها مستغلة ادارات الدولة ومؤسساتها لتثبيت المنتفعين والمناصرين واقحامهم في الملاك العام.

قد تبدو العقدة السابقة قابلة للحل عبر تغيير سلمي ديمقراطي، غير ان حلها يتعثر بفعل الطريقة التي ابقي فيها على هذه الطبقة السياسية، فبعد انتهاء الحرب صدر عفو عام شمل كافة الجرائم التي ارتبكت في فترة الحرب، وقفزنا بدون مقدمات من حالة الحرب البنانية الى السلم السوري، فغيبت العدالة الإنتقالية كلياً ، ومعها غابت كل مفاهيم المصارحة والمصالحة والمحاسبة والتعويض وجبر الضرر الضرورية لقيام اي جمهورية او نظام جديد دون موروثات الماضي من قتل وخطف وتنكيل وانتهاكات جسيمة لحقوق الأنسان وبات من الصعب ان نعيد انتاج نظام جديد خال من موبقات الماضي.

اللافت ان مفهوم العدالة الانتقالية لا يتضمن بالضرورة السجن والاعدام للمرتكبين او الانتقام والاقتصاص منهم، بل هي اشبه بمحاولة للتعويض على الضحايا وعائلاتهم والمجتمع الذي تضرر بمجمله من تلك الحوادث عبر اعتراف الأطراف بالمسؤولية وتحملها كاملة، وكشف الحقيقة الكاملة عما حدث، كذلك الالتزام بعدم تكرار المرحلة السابقة عبر قيام النظام الجديد بأصلاح مؤسسات الدولة التي اما كان لها دور في الإنتهاكات خلال الحرب، او انها كانت عاجزة عن تفادي ما آلت اليه الأمور، وهنا بيت القصيد، اي مؤسسات الدولة اللبنانية التي انهكتها هذه الطبقة السياسية بالأستزلام والإرتهان بعدما بقيت ممسكة بتلابيبها.

عملياً، يبدو تاريخناً اللبناني حافلاً بالإنتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها الطبقة السياسية من أمراء الحرب، لذا فإن استمرارها وتجهيل مرتكبيها عمداً (سوى بالتراشق الكلامي عبر الاعلام)، أدى الى انقسامات واصطفافات طائفية وسياسية عامودية بين المواطنين على شاكلة جماهير 8 و 14 آذار ، اضافة الى غياب الثقة بين عناصر المجتمع، وطبعاً غياب الثقة بالدولة ومؤسساتها، فغياب الاصلاح السياسي ادى حتماً الى غياب التنمية وبالتالي عرقلة الأمن، الى ما هنالك من واقع مرير نعيشه في لبنان.

عود على بدء، عادة ما تسلك العدالة الانتقالية طريق الملاحقات القضائية للمسؤولين عن الانتهاكات ليصار في اغلب الأحيان الى عزلهم عن المشاركة في الحياة السياسية ، لتأتي لجان جبر الضرر والتعويض، وتستتبع بأصلاح المؤسسات ومن ثم تشكيل لجان الحقيقة، اما في لبنان، فلم نشهد اي ملاحقة قانونية للمسؤولين وهم جلهم من الطبقة السياسية الحالية ويمسكون بمقاليد الحكم، ولا ظهرت اي لجان لجبر الضرر سوى بغير حق عبر صناديق تعويضات وهمية ابتلعتها الطبقة السياسية ذاتها، ولم يتم اصلاح اي مؤسسة بل زاد الفساد انفلاشاً وتوسع الى حد لايطاق، حتى انهم استكثروا على اللبنانيين لجان الحقيقة لمعرفة ما حدث، فبتروا كتاب التاريخ، و ماطلوا بالكشف عن مصير من اخفوهم قسراً خلال الحرب، وامسوا الفاعل والقاضي والجلاد.

ان ارتباط كل ما سبق بسياق الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية بالأمس وثيق للغاية، حيث بدا الانقسام السياسي في الجلسة وحتى بين المواطنين على الشبكات الاجتماعية جلياً وواضحاً من خلال تضاعف موجات التخوين والتخوين المضاد والاتهامات ونبش القبور واستحضار الحرب ومفرداتها.

في المنطق يكاد يكون سمير جعجع أمير الحرب الوحيد الذي نال نوعاً من العقاب على فترة الحرب بدخوله السجن لعشر سنوات ونيف، ويكاد يكون الوحيد ايضاً الذي قدم مراجعة واعترافاً واعتذاراً عن فترة الحرب، لكن وبغض النظر ان كان صادقاً في اعترافه واعتذاره او لا، هل هذا يكفي؟

دستورياً، لا غبار على ترشيح سمير جعجع، او اي من امراء الحرب الآخرين من خصومه، انما وفي عودة للموجبات الأخلاقية للعدالة الانتقالية يبرز السؤال، هل يجوز ترشيحهم لرئاسة البلاد؟ وما هو موقف اهالي ضحاياهم المفتقدين للعدالة والحقيقة؟ (مع ان غيابهما ليس من مسؤولية جعجع وحده). ثم في ترشيح هنري الحلو من قبل وليد جنبلاط الذي هو بدوره امير حرب.

هل نستطيع حقاً ان نحقق اي نجاح على صعيد اصلاح مؤسسات الدولة عبر انتخاب اي ممن شاركوا في الحرب على رأس الهرم السياسي؟

هل يجوز ان ننسى ما فعله هؤلاء طوال الفترة الممتدة منذ اتفاق الطائف الى اليوم؟ بصفقاتها وألاعيبها و تجاوزاتها؟

هل سنستطيع يوماً ان ننتج طبقة بديلة تعبر نحو الدولة الحقيقية وفي كل مفصل من مفاصل الدولة منتفع او مستزلم لزعيم ما؟

هناك ايجابية واحدة في ترشيح جعجع، وهي انه قدم مثالاً للعملية الديمقراطية التي غابت لسنوات طوال واستبدلت ببدعة “الرئيس التوافقي” او المعين في عنجر.

اما اكبر سلبيات الأمس، هو ما حدث خلال فرز الأصوات، فقد عاب الخصوم السياسيين لجعجع عليه ترشحه بوصفه المجرم، فبادروة بنبش قبور ضحاياه لتذكيره بهم، متناسين انهم نبشهم لقبور الموتى واستحضارهم في معرض الإستغلال السياسي، عمل دنيء فاق المعقول. وفي حين ان استذكار الماضي بالنسبة للمواطنين يندرج في خانة الذاكرة الجماعية، فأن استذكارهم في معرض الاستغلال من قبل السياسيين يعد من قبيل نكىء الجراح.

بالمحصلة، يبدو واضحاً ان اساس المشكلة ليس سمير جعجع وحده، ولا خصومه وحدهم، بل في اجتماعهم كتركة ثقيلة ورثناها مع احقادها عن فصل اول من حرب لم تنته بعد.

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*