جهاز المطاوعة البلدية والنهي عن المنكر

ثمة موضة جديدة تطالعنا مؤخراً هي تعميمات البلدية وقراراتها، ولا بأس ان كانت هذه التعميمات والقرارات تصب في خانة المصلحة العامة، اما في جمهورية “كل من ايدو إلو” فاق الأمر حد المعقول ليصل الفلتان الى حد التدخل السافر والوقح في حياة المواطنين وحرياتهم الشخصية، فكثرت في الآونة الأخيرة تعميمات بشأن “السلوك والأخلاق الرمضانية” وعدم المجاهرة بالافطار، وصدق او لا تصدق، فأن هذه التعميمات صادرة عن السلطات المحلية اي البلديات، الشكل الأبسط من سلطة الدولة.

بلدية عبرا افتتحت مسلسل الهذيان هذا بتعميم صادر عنها، سارعت الى سحبه بعد الحملة المناهضة على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تبعتها بلديات أخرى وسحبت التعاميم، اما بلدية طرابلس فقد اعتمدت خديعة سخيفة، بأن قامت بسحب البيان من على صفحاتها الاجتماعية لكنها ابقته قيد التطبيق.

التعاميم بشأن “السلوك والأخلاق الرمضانية” التي تصدر عن البلديات في غاية الخطورة، والأمر ليس سطحي ولا بريء، هنا تفنيد سريع لأبرز النقاط.

التعميم ملزم ولو إدعوا العكس

مهما قيل عكس ذلك، ما دام التعميم صادر عن البلدية تحت ستار الحشمة والآداب العامة فأنه تلقائياً يتسم بالطابع الالزامي بحسب قانون البلديات في لبنان، اي ان البلدية تستطيع توقيع العقوبات على المخالفين لتعاميمها وقراراتها، بمعنى اوضح تطبيق اسلوب المطاوعة، اي ان تتحول الشرطة البلدية من جهاز حماية الى جهاز تطبيق الشريعة!! بينما تصر البلدية ان التعميم لتجنب الأستفزازات، فأن تعميمها سيشكل الاستفزاز الأكبر

المادة 48 من قانون البلديات – تكون للأنظمة التي يصدرها المجلس البلدي في المسائل الداخلة ضمن اختصاصه صفة الإلزام ضمن النطاق البلدي

المادة 74 من قانون البلديات (المعنية بشرح صلاحيات رئيس البلدية) كل ما يختص بالآداب والحشمة العمومية.

(اقتباس من نص رسالة دائرة اوقاف طرابلس الى البلدية نأمل من جانبكم الكريم اصدار تعميم بمنع المجاهرة بالافطار…)

tripoli-st

التمني بالمنع لا يعني المراعاة

لا سلطة بأي حال من الأحوال ولا صفة لدور الافتاء او دوائر الأوقاف للطلب والتمني من البلديات اصدار التعاميم بما يتعلق بالأمور الدينية، خاصة ان النظام اللبناني يلحظ بشكل واضح الفصل بين المؤسسات الدينية واجهزة الدولة ومؤسساتها. ثم منذ متى يصاغ التبني بعبارة “تعميم منع المجاهرة”

التعميم غير بريء

صدرت تعاميم البلديات بعد الرسائل التي وجهت من دور الافتاء و دوائر الأوقاف التي تعمدت بشكل واضح وعن سابق تصور وتصميم ارسال هذه الطلبات الى البلديات التي تتسم بالتنوع الديني (عبرا وطرابلس) وهذا ما لا يمكن ان يوضع في خانة البراءة، بل القصد الواضح والصريح.

التعميم يتعدى على الحريات الشخصية

من واجب رئيس البلدية تنظيم الأمور الادارية والمحلية ولا سلطة له على تنظيم حياة الناس الخاصة في عادات المأكل والمشرب واللباس. (اقتباس من نص رسالة دائرة اوقاف طرابلس “نأمل من جانبكم الكريم اصدار تعميم بمنع المجاهرة بالافطار…)

التعميم يتنافى مع المعاهدات الدولية والدستور والقانون والدولة المدنية

لبنان بلد مؤسس وعامل في الأمم المتحدة، وبحسب الدستور فأنه ملتزم بمواثيقها والمعاهدات الصادرة عنها، بالتالي اي قانون او قرار يتنافى مع المواثيق الدولية يعتبر باطلاً حكماً.

فقرة “ب” من مقدمة الدستور اللبناني

[…]كما هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء.

الاعلان العالمي لحقوق الانسان

المادة 2 – لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخ

لا يحق للبلديات ان تصدر التعاميم التي تحد من حرية الأفراد في التحرك وتناول الطعام والتزام تعاليم دينية ما لم يرغبوا هم في ذلك

المادة 12 – لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته. ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.

للصائم حقة في ممارسة صومه وشعائره الدينية والمجاهرة بالصيام، دون ان يكون له الحق في فرضها على الآخرين ومنعهم من المجاهرة بالافطار

المادة 18 – لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين. ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة.

في منحى أخير، وخارج السياق، ينفع التذكير ان البلديات قد أخذت تتفلت من كل السلطات الرقابية، وتتصرف كما يحلو لها، وهي بأغلبها تتبع الأحزاب السياسية او المؤسسات الدينية وتعمل لمصلحتها لا لمصلحة المواطن، إما عبر تحويل الشرطة البلدية الى جهاز مطاوعة كما في طرابلس، او جهاز دعاية حزبية كما في صيدا حيث بات كل شيء اسمه “حريري” او في الغبيري (هناك بالمناسبة في الغبيري لافتة بحجم مبنى عليها صورة امين عام حزب الله وعليها شعارات الحزب وموقعة من البلدية ومطبوعة على حسابها). هذه فيدرالية غير معلنة، على وزارة الداخلية والبلديات التدخل لوقفها فوراً.

الوثائق للإطلاع

نص تعميم بلدية عبرا هنا
نص تعميم بلدية طرابلس هنا
نص رسالة دار الافتاء في صيدا الى البلدية هنا
نص رسالة دائرة الأوقاف في طرابلس هنا
تهديدات رئيس بلدية طرابلس للمواطنين هنا
نص قانون البلديات في لبنان هنا
الإعلان العالمي لحقوق الانسان هنا
الدستور اللبناني هنا

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*