ليش في أحلى من لبنان؟

قد لا يُعد الأمر غريباً أن قرأنا في كتب التاريخ الصيني، أن أهل البلاد عاشوا داخل السور العظيم مُعتدين برفعته وتحصيناته، ومعتبرين بأكثريتهم الساحقة أن كل ما هو خارج هذا السور يفتقد لأدنى مقومات الإنسانية، ولا يعد الأمر غريباً وقتها إذ أن الصينيين بنوا السور ليحميهم من بطش الغزاة وخاصة المغول، غير أن الغرابة الحقيقية في يومنا هذا، هو رؤية شعب بأغلبيته الساحقة يعيش خلف سور من العظمة والاصطفاء الوهمي، يعتد بحسبه ونسبه وتاريخه المزيف، متجاهلاً حقيقة أمره، إنه يحيا متسولاً المال من المانحين بعدما دمر بلده بحرب أهلية أين منها بطش عصابات التتار والمغول.

هم اللبنانيون، على عكس الصينيين، يعيشون خلف سور وهمي من العظمة المبنية فعلياً على لا شيء، اللهم سوى الشعور بالعظمة وانتفاخ الصدور بلا مبرر، ففي وقت يعيش الكثير من اللبنانيين على “الفشخرة” بالدين والتقسيط، يعيش قسم أكبر منهم في الاغتراب، يتسول رضى الشيخ والأمير الخليجي، أو عطف صاحب محطة وقود في ولايات أمريكية، ليعود إلى لبنان ويحدثك بفخر عن بربرية “الخلجان” وجهلهم! أو عن بخل الأمريكان وسهولة النصب عليهم بسمات لجوء.

مع ذلك، يمارس اللبناني شتى أنواع العنصرية على الغرباء، من العاملات المنزليات ضحايا العنف، إلى العمال المصريين والسوريين، تارة يطردهم، وطوراً يذلهم دون أدنى إدراك أن لهؤلاء كرامة إنسانية، كرامة يفتقد إليها اللبناني، ففي وقت لا يزال يرزح ويئن تحت ثقل الطبقة السياسية ذاتها منذ أربعينيات القرن الماضي، اشتعلت الثورة في مصر وأطاحت بالنظام، أما في سوريا التي حكمت لبنان بالجزمة العسكرية على مدى ثلاثين عاماً، تشهد اليوم ثورة على نظام البطش البعثي، حتى ولو أنها انحرفت عن مسارها، إلا أنها احتاجت لكثير من عزة النفس كي تكسر القيد، مع الاعتذار عن استعمال مصطلح عزة النفس، الأغلب أنه يغيب عن قاموس المفردات اللبنانية.

مُحيرٌ هو هذا الشعور اللبناني بالتفوق، مين أين يأتي؟ هل هو من عظمة الجمهورية اللبنانية؟ فلنسلم للمنطق اللبناني حيث يعد كل مواطن يعتبر نفسه محللاً سياسياً استراتيجياً، هات أخبروني كيف أن أربعة ملايين محلل سياسي يعجزون عن انتخاب رئيساً لهذه الجمهورية؟ وكيف أن نوابها يلغون الانتخابات حينما يريدون ضاربين بعرض الحائط بأبسط قواعد الديمقراطية؟

ربما هذه العظمة نابعة عن الاقتصاد اللبناني القوي؟ ربما، لولا أن البلد يرزح تحت دين وطني وفوائده التي تلامس حدود الثمانين مليار دولار!، أو ربما يأتي هذا الشعور بالتفوق من قطاع الخدمات؟ أيضاً ممكن لولا أننا نموت على أبواب المستشفيات، ولولا أننا نعيش في ظلام دامس بفعل غياب الكهرباء، أو أن رائحتنا تزكم الأنوف لأننا نفتقر حتى إلى الماء لنغتسل من الخارج، كون غسل القلوب من بقايا الحقد والطائفية بات ضرباً من ضروب المستحيل.

مع هذا كله، نصر على أهزوجة القاء اللوم على الغريب، مع أننا نحن من صنع الحرب اللبنانية، نحن من ارتمينا في حضن عبد الناصر، وإسرائيل، ومنظمة التحرير، والعراق، وليبيا، وإيران، نحن من قتل وذبح على الهوية، نحن من شرد وقتل، ثم يأتيك من يستغرب الداعشية الغريبة عن تركيبة المجتمع اللبناني!!! عذراً يا سيدي الكريم، نحن بطبعنا مجرمون، بل أكثر، نحن شعب من القتلة المأجورين، نقبض من الخارج، لنقتل من في الداخل.

هذا الكوكب يضحك في سره، يضحك منا حتى قبل أن تصدح اغنية “قلن انك لبناني”، وبالتأكيد قبل إعلان “ليش في أحلى من لبنان”، ارحمونا، وارحموا من في الأرض، واصمتوا….

نشرت في موقع دوت مصر

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*