لبنان والأمن المخابراتي

ثمة نظرية لطالما تم تداولها في لبنان تقول بأن الأمن فيه “سياسي” بالدرجة الأولى، أي أن درجة الاستقرار ترتبط مباشرة بالوضع الإقليمي في الشرق الأوسط ككل، وبحسابات الربح والخسارة لدى اللاعبين الدوليين في المنطقة، من سعوديين وقطريين وبعثيين سوريين، مروراً بأميركا وإسرائيل.

 في الماضي، كان مناقشة هذه النظرية من الممنوعات ومن المعاصي الجلل، إذ إن النظام البعثي في سوريا كان يُطبِق إطباقاً تاماً على الحياة السياسية والأمنية والصحفية في لبنان، مستعملاً البلد ككل كباحة خلفية لصراعه مع الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل على وجه الخصوص، مستخدماً للغاية أدوات محلية لبنانية وفلسطينية. مع العلم أن الغرب هو من فوّض أو بالأحرى قايض نظام الأسد الأب، واهباً اياه لبنان مقابل المساهمة في حرب الخليج ضد بعث العراق.

الناظر إلى الساحة اللبنانية اليوم يستطيع أن يتفحص هذه النظرية عن كثب، ففي ظل ارتهان الطبقة السياسية اللبنانية بشقيها لمرجعية القرار في طهران والخليج نلحظ انهياراً تاماً للجبهة الأمنية الداخلية في لبنان، حتى بات المواطنون يستشرفون الانفجارات والعبوات المفخخة كلما طرأ تطور ما على خارطة المعارك العسكرية في سوريا، أو الجبهات السياسية الإيرانية – الغربية.

 يحمل حزب الله طبعاً، المسؤولية الأكبر عن تدهور الوضع الأمني اللبناني نتيجة مغامرته العسكرية في سوريا والحجج الطائفية الواهية التي يستند إليها أي حماية “المقدسات الشيعية”، إضافة إلى امتلاكه منظومة أمنية خاصة لا تخضع لسلطة الدولة، غير أنه ليس المسؤول الوحيد عن الانهيار، ومن المؤكد أن التفجيرات المتنقلة في لبنان لا ترتبط بمشاركته في سوريا إلا من حيث الحجج الطائفية الموازية التي يستخدمها الإرهابيون للتغطية على التفجيرات التي تطال معاقله في الضاحية الجنوبية، والتي بحسبة بسيطة نرى أنها لا تحصد سوى المدنيين الأبرياء. من هنا يبدو واضحاً أن أغلب التفجيرات هي بمثابة رسائل في بلد استرجع دوره كصندوق بريد استخباراتي.

في موازاة مسؤولية حزب الله، هناك مسؤولية تُلقى على عاتق الشارع “السني” الذي أفلت عقاله من لجام تيار المستقبل في نتيجة واضحة لعقم آدائه السياسي، وارتباط قراره بأروقة المملكة السعودية المُنهكة على كافة الصعد، اللهم ما عدا المال الذي لا يزال يتدفق على البعض من صنابير التسليح. هذا الشارع الشعبي الذي ترك الاعتدال الذي اعتاد عليه، لجأ إلى تبني خطاب طائفي متشدد أحياناً في محاولة دفاع مذهبي أمام تصاعد المواجهة السنية – الشيعية في المنطقة، ولمواجهة حزب الله في لبنان، نتيجة للشعور بالانهزام أمام خطابه الاستعلائي. فكان تبني الخطاب الداعشي والنصروي مهرباً مثالياً، يشكل في بعض الأوقات قاعدة إنطلاق خلفية لهؤلاء لتنفيذ عمليات أمنية في لبنان.

 في السياق ذاته، لا يخفى على أحد أيضاً أن هذه التنظيمات التكفيرية كداعش والنصرة قد اخترقتها كافة أجهزة المخابرات العربية والإقليمية وهي تحركها بموجب مصالحها كيفما اتفق، أليس من الغريب أن داعش التي قضت على سلمية الثورة في سوريا لم تقصف مواقع نظام البعث يوماً؟ ولم يسجل بينها وبين جيش النظام أي مواجهة تذكر؟ وأنها تصارع حصراً كتائب مقاتلة أن تتبعنا مصدر تمويلها لوجدنا فيه الجواب الشافي؟

عودٌ على بدء، في ظل الانبطاح الكامل للطبقة السياسية اللبنانية كلها، تحققت مقولة الأمن السياسي، أي أننا محكومون أن نحيا بحسب أهواء المتصارعين الإقليميين، وعلى هواهم المخابراتي الإجرامي، هو إجرام تشترك فيه الدولة اللبنانية بضعفها وانهيارها ووقوعها تحت تسلُّط الزعامات السياسية والطائفية.

إلى أن يتغير هذا الوضع، لا الخطط الأمنية ستحمينا، ولا حواجز التفتيش ستمنع عنا الموت المجاني كل صباح.

نشرت في موقع دوت مصر

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*