عشرة أيام في حرب ليبيا

كنت قد امضيت الساعة والنصف الماضية في متابعة تتويج نادي النجمة ببطولة الدوري اللبناني لكرة القدم، قمت الى الشباك وفتحته وتنفست هواء البحر ملء رئتاي، وتثائبت وانا انظر الى قرص الشمس الذي بدأ يذبل فوق شاطئ طرابلس الغرب الذهبي، بدا ولأول مرة ان قراري بقبول عرض الأمم المتحدة في ليبيا امراً صائباً، وبدا ان الصيف القادم سيحمل الكثير من المغامرات المهنية والشخصية، من طرابلس الى برقة، الى البيضاء، ثم الى مهد الثورة، بنغازي الجميلة.

قطع رنين الهاتف المرمز استرسالي الشاعري، عدت الى الغرفة ونظرت الى شاشة الهاتف فوجدت خمسة نجوم بدلاً عن رقم المتصل، وهي علامة الخطر الشديد، اجبت مسرعاً، على الطرف الآخر من الاتصال كان العقيد الفزاني من الجيش الليبي، يخبرني بأن المعارك قد انتقلت من بنغازي الى العاصمة طرابلس، وانه يتوجب عليّ اتخاذ الإجراءات المناسبة للحماية بحسب البروتوكول ثم اغلق الخط دون أي تفسير، واي بروتوكول هذا الذي سأتبعه؟ وانا حسبته من قبيل خزعبلات الأمم المتحدة والأرجح انني رميته على مكتبي، رحت ابحث بين اشيائي عن الكتيب الأزرق دون جدوى.

عدت الى النافذة، انا في قلب شارع عمر المختار، ابعد عن المكتب مسافة 25 دقيقة بالسيارة، لا شيء ينذر بالخطر، اين هي هذه المعركة التي يتحدث عنها الرجل؟ بضع أطفال يلهون على الشاطئ، شبان يتجمعون في مقهى على الطريق، وامامي مباشرة مبنى الحكومة الليبية، اعمال الترميم تجري فيه على قدم وساق، ثم سمعت صوت صفير مألوف، اقسم انني تعرفت اليه في جزء من الثانية، وفي الجزء الثاني منها لمع المبنى بضوء أبيض، ودوى الانفجار واستحال المشهد بأكمله الى غبار. احتاج الغبار الساخن الى ثوان ليصل الى شباك الفندق حيث أقف، انبطحت أرضاً متأخراً بضع ثوان، ثم تمالكت اعصابي وقمت الى النافذة من جديد، بحثت أولاً عن الأطفال، لا أثر لهم، اختفوا تاركين الكرة ورائهم، الشباب في المقهى وكأنهم تبخروا، اما مبنى الحكومة فقد تحول الى كتلة من نار.

هرعت الى التلفاز، بحثت عن أي قناة ليبية، على الشاشة مذيعة تلبس حجاباً غريباً… الوو.. الوو تستقبل اتصالاً، وتقول الله أكبر، يجيب المتصل الله أكبر يا أختي، تجيبه هي الله أكبر عليهم، يبادرها، الله أكبر يا ليبيا… تشكره ويتحول المشهد الى مزيج من الدراما والكوميديا، تمر دقائق وهي تستقبل عبارات الله أكبر من المتصلين، ولا معلومة واحدة عما يحصل، قررت ان ارتدي ملابسي وانزل الى موظف الاستقبال للاستفسار عما يجري.

في المصعد قرب الطابق الثاني كنت قد بدأت اسمع صراخ المتجمهرين في بهو الفندق، بدا أن امراً خطيراً يحدث، وصلت الى الردهة، لا شيء، كلهم يصرخون نعم، إنما جلوساً !! نظرت الى الشاشة، مباراة بين الأهلي الليبي وفريق آخر تونسي، يصرخون تشجيعاً للفريق الليبي، وخلفهم الزجاج يعزلهم عن مكان سقوط القذيفة قبل دقائق، هل يعقل؟ هل انا أحلم؟

يضحك موظف الاستقبال، “لا شيء يدعو للقلق يا سيدي، تحركات لجرذان الإخوان المسلمين، والجيش الليبي يتعامل معها”، اعتدت منذ وصولي الى ليبيا على عبارة جرذان الاخوان، كيف لا ودوناً عن مطارات العالم أجمع، لافتة “الاخوان أعداء الإسلام” ترحب بك فور نزولك من الطائرة بدلاً عن “أهلاً بكم في ليبيا”… حسناً، قلت لنفسي، لا داعي للقلق ما دام الجميع مرتاحاً لدرجة متابعة مباراة كرة القدم…

عدت الى الغرفة، ولجت الى بريدي الإلكتروني، لأجد في استقبالي رسالة عنوانها “Code Blue” تضمنت نسخة من الكتيب الأزرق الضائع. في التعليمات إشارة واضحة الى ضرورة التوجه الى مبنى الأمم المتحدة فوراً، وإعطاء الأمر بإخلاء الموظفين من غير الليبيين الواقعين تحت سلطتي الإدارية. طلبت السائق الذي امتعض وحاول المماطلة قبل ان تصيبني حالة هستيرية من الصراخ، عجلت في حضوره الى الفندق، ربع ساعة في شوارع طرابلس الخالية، وبت في المكتب.

1510475_10152388992440289_7474849913528294491_nلا أستطيع الكشف عن تفاصيل ما حدث هناك بسبب سرية الإجراءات الأمنية وبروتوكول الإخلاء، انما ما أستطيع البوح به هو انني اعتمدت على انسانيتي بدلاً عن التعليمات، ارتكبت غلطة مميتة فوجدت نفسي وحيداً بعد اختفاء السائقين الليبيين مع السيارات، ولم يعد أمامي سوى الاتصال بالسفارة اللبنانية المواجهة تماماً للمكتب، لا أحد يجيب على الهاتف، كررت المحاولة مرة وإثنين وثلاثة، اتصلت بالصديق هادي جعفر البعيد نسبياً عن مكان الاشتباكات، نصحته بالمغادرة، لكنه آثر البقاء.

نفذت مني الحلول، بت محاصراً في ساحة حرب لا اعلم عنها شيئاً، حتى ان المشاركين بها، قصفوا حلفائهم لساعات قرب المطار قبل ان يتنبهوا للأمر، كانت الفوضى العارمة قد اجتاحت كل تفصيل في ليبيا.

قررت العودة الى الفندق، نزلت الى الشارع، مرت امامي سيارة أجرة كدت أرمي نفسي تحت عجلاتها، توقف السائق، نقدته خمسون دولاراً قبل ان يطرح أي سؤال، ثم طلبت منه التوجه نحو الفندق.

خمسة أيام كاملة في غرفة الفندق، الرصاص والقذائف تنهمر على المقلب الآخر من الشارع، عربات مجنزرة، سيارات نقل مدنية تحولت الى آليات عسكرية، لا معلومات سوى تلك التي اتلقاها في النشرة الأمنية اليومية عبر البريد الإلكتروني. ملاذي الوحيد كان “الفيسبوك” وعبره اتى اتصال من صديق لبناني مقيم في تونس، عرض ان يخرجني من ليبيا، على ان احجز أي بطاقة سفر، كانت مهمة مستحيلة.

علمت صدفة من موظف نيجيري في الفندق ان الصحفي الألماني الذي احتسي معه القهوة الصباحية كل يوم قد علق في منطقة حدودية، تملكني شعور قاس بالأنانية والذنب في حين، وددت لو يعلق هو وان استحصل على بطاقة سفره، ربما علق الرجل في مأزق، ليتركني عالقاً اتخبط بين الأنانية والذنب والمنطق، امسكت بالهاتف، اتصلت بشركة الطيران، ابلغتهم انه لن يحضر، وانني سأبتاع تذكرته، كانت تذكرة للدرجة الأولى على متن طائرة تغادر ليبيا الى إسطنبول الساعة الثانية فجراً، أي بعد 9 ساعات.

10291063_10152388992450289_3947706532896916269_nفي تمام السادسة كان الرجل الذي أرسله الصديق اللبناني في تونس يقف امام الفندق، لحيته طويلة، شاربه محفوف، يلبس جلباباً ابيض ويمسك بعصا تعينه على المشي، تملكني الخوف من ان يكون الرجل من الإسلاميين، وهو ما كان، غير ان المفاجأة كانت في السيارة، حيث كان ينتظرنا رجل آخر، بلباس عسكري، مهلاً؟! كيف؟ المفترض انهم على خصومة! لكن لا وقت للأسئلة، صعدت الى السيارة وتوجهنا الى المطار.

مررنا على حاجز لغرفة ثوار ليبيا، مجموعة من الإسلاميين، حياهم الرجل، ويبدو انهم عرفوه، وتركونا في سبيلنا، على منعطف آخر بدا من بعيد حاجز لميليشيات الزنتان، ركن الرجل السيارة جانباً وتبادل المقاعد مع العسكري، وتكرر السيناريو، يقودنا الإسلامي على حواجز الإسلاميين، والعسكري على حواجز الزنتان، الى ان وصلنا الى طريق سريع يودي بنا الى المطار، نظر الرجلان الى بعضهما البعض، وتمتما بكلام غير مفهوم، سحبا سلاحهما من تحت المقاعد، ازالا مقبس الأمان، بات السلاح جاهزاً لإطلاق النار…

تمسك يا أخي واخفض رأسك، هناك قناصة على الطريق، قالها وأطفأ أنوار السيارة، وضغط على الدواسة فجأة، وطارت السيارة في الطريق المظلم، كان واضحاً ان شيئاً لن يوقفها قبل ان تصل الى المطار…

اختصاراً، وصلت منهكاً الى إسطنبول، عندها فقط تنبهت انني لم احجز تذكرة الى بيروت! ما العمل؟ لا تذاكر متوفرة إلا في مساء اليوم التالي. اخذت حقيبتي، توجهت الى المدينة، بحثت عن فندقي المعتاد. أخذت حماماً ساخناً، ونمت ملء جفوني، في صباح إسطنبول بدت بيروت أقرب من أي وقت، ومعها بدت دموع امي، وتوسلات ابي أكثر واقعية من ذي قبل، وبدا معها ان الدولارات التي منيت النفس بها لقاء عملي في ليبيا كادت ان تودي بحياتي، قرار لم يرق للصديق التونسي سفيان الشورابي، ولم يستمع لنصيحتي، أصر على متابعة مهامه في ليبيا، الى ان قضى هناك، شهيداً…

كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

تعليق واحد

  1. رحم الله سفيان

    سرد القصة ممتع كم تعجبني هذه المدونة في أسلوب صاحبها الراقي

    لقد خرجت من عنق الزجاجة هذه المرة و ليس في كل مرة تسلم الجرة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*