وجهة نظر حول قضية التعذيب في رومية

لم يعد خافياً على أحد الدور المحوري والهام الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في تحريك الرأي العام تجاه القضايا المحلية، هذا الحراك الذي كان من الايجابية في السابق انه وصل الى حد تحميله مسؤولية انهيار بعض الأنظمة العربية البالية، سن أهل السياسة حده الآخر، فبات “ذو حدين” يقبل الايجابية في حال حسن استخدامه، والسلبية المطلقة في حال استعماله لأغراض دنيئة.

يبدو جلياً ان كل ما تصل اليه ايدي اهل السلطة في لبنان يتحول الى شيطان خالص، ولا يشذ نشر فيديوهات التعذيب الأخيرة وتسريبها من سجن رومية عن هذه القاعدة، لكن أمام سوء الفعل (اي التعذيب) لست بوارد نقاش لا توقيت التسريب، ولا فاعله، الأمر لم يعد مهماً، بل المهم في الأساس هو الكشف عن هذه التجاوزات وايقافها في المقام الأول.

انقسم اللبنانيون حول التسريبات الى ثلاثة فئات، الأولى وافقت على فعل التعذيب كونه يطال مشتبه بتورطهم بقضايا ارهابية (وهنا أصر على يشتبه، اذ ان المحاكمة لم تنته بعد)، والثانية شجبت الفعل فقط لأنها اعتبرته مساساً بطائفة معينة، والفئة الأخيرة هي التي شجبته إنطلاقاً من الوازع الانساني والقانوني والأخلاقي والمؤسساتي، وهي صراحة الفئة التي اميل الى تأييد وجهة نظرها بالكامل.

تذهب الفئة الأولى في تحليلها الى ان ضرب المساجين (الإسلاميين) فعل جائز (بل وشجعت عليه) كونهم (اي المساجين) اعتدوا على الأمن الوطني اللبناني، وروعوا المدنيين الآمنين، وزرعوا العبوات والمتفجرات التي نالت من الابرياء في ضاحية بيروت الجنوبية، اضافة الى مسؤوليتهم عن خطف العسكريين اللبنانيين، طبعاً من الواضح ان هذه الفئة من اللبنانيين يحكمها إما الولاء الطائفي \ الحزبي المضاد، او ما يصطلح على تسميته بالوطنية الرومانسية والشعاراتية، اي انهم خارج التصنيف من ناحية الانتماء، لكن فائض الحماس (واحياناً الوطنية) جعلتهم منظرين رومانسيين او انتقاميين دون اي مرجع انساني او قانوني.

الأجابة على الفئة الأولى بشقيها تكمن في ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ان هؤلاء المساجين لم يخضعوا للمحاكمة بعد (في اغلبهم) وأن لاشيء حتى الساعة يثبت قيامهم بهذه الأعمال، ولم تصدر بحقهم اي إدانات قانونية. كما انه حتى في حال الإدانة يتم إعدام المتهم (اتحفظ) او سجنه لفترة تحددها المحاكم، او إطلاق سراحة في حال ثبوت البراءة، وكلها في ظل محاكمات علنية وشفافة، لا تشبه بالتأكيد مهزلة براءة الارهابي شادي المولوي. ثم ان السجين يوضع في السجن بسبب خطورته على المجتمع، ولقضاء العقوبة التي يحددها القانون، وانه حتى في هذه الحالة يحق له التمتع بكرامته الانسانية حتى ولو ان جرمه سلب او جرد الكثيرين من انسانيتهم، الفارق هنا بسيط لكن كبير جداً، ليس متوقعاً من الإرهابي مراعاة شعور ضحاياه، فهو مجرم دنيء، اما ان تقوم اجهزة الدولة الرسمية او عسكرييها بفعل الضرب والسحل فهذا لن يؤدي الى نتيجة ويحول المجتمع ككل الى غابة من الضرب والثأر والفوضى. وليس في الأمر ما اصطلح على تسميته على الفايسبوك “بالانسانية الزائدة”، بل تطبيق للقوانين والشرائع الملزمة.

الحق في السلامة البدنية والأخلاقية

لا يجوز اخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ولا يوجد اي استثناء لهذا.

الإعلان العالمي لحقوق الانسان المادة 45، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المادة 47. الرابط

الإجابة على الفئة الثانية، اي القائل ان الضرب والتعذيب هو بسبب الانتماء الطائفي او بسبب اللحى، فهذا يحتمل من الصواب القليل القليل منه والأسباب واضحة، قد يكون بعض السجناء الاسلاميين تعرض الى الضرب على خلفية طائفية ثأرية نعم، ولكن من الضروري البحث عن السبب الأساس، وهو كون التعذيب رائجاً في السجون اللبنانية، وهو فعل متكرر حتى بات ممارسة تعلم للمنتسبين الجدد الى سلك أمن السجون من اسلافهم.

لولا ان التعذيب فعل رائج في السجون يطال كل المساجين مهما كان انتمائهم الطائفي او الديني او الحزبي، ولولا ان الدولة غضت الطرف عنه في السابق رغم مناشدة الجمعيات (الحقيقية منها) لما تجرأ العسكري المعتدي على ضرب اي من المساجين، بغض النظر ان كانوا من الاسلاميين من ذوي اللحى او اي غيرهم، فهو يقوم بالأمر لأنه على دراية بأنه سينجو بفعلته.

اللافت هنا هي الصفحات والمواقع الالكترونية التي تناقلت الخبر والفيديو تحت عنوان “تعذيب أهل السنة” في لبنان !!!!

إن كانت الفئة الأولى من محبذي التعذيب هي فئة مشاركة في الفعل وان “فايسيوكيا”، تأتي الفئة الأخرى لتضر بمصالح كل المساجين وكل من دخل سجناً في حياته، فربط قضيته الانسانية والوطنية بزاروب طائفي هو ضرب لعدالة القضية وتسفيه لها.

روي عازار

روي عازار

اشارة الى ان حالات التعذيب واستعمال القوة المفرطة ادت الى وفاة سجينين العام الماضي، فقد قتل السجين روي عازار عندما وجهت قنبلة صوتية الى صدره مباشرة (بيان القوى الأمنية اشار الى ان السجين التقط القنبلة وحاول رميها على القوى الأمنية فأنفجرت قرب رقبته) وهو امر يبدو عصياً على التصديق خاصة ان روي كان سيغادر السجن قريباً جداً، اما السجين جميل أبو غنى فقد قضى بذبحة قلبية حادة نتيجة سوء المعاملة خلال عملية دهم المخادع للتفتيش.


كل الناس عم تنظر، وقفت عليك؟ فقعلك نظرية..

comments

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*