أبو علي، نصيحة بسعر القهوة


“الحياة كالقهوة، حلوة ومرة ووسط” بهذه الكلمات يختزل أبو علي رحلة حياته المحصورة بكورنيش المنارة – الروشة ذهاباً وإياباً على عدة أشواط يومياً لا يمل ولا يكل من تكرارها، يمازح المارة ويحادثهم بالإنجليزية و الألمانية و الروسية، وهو لا يحفظ من الأخيرة سوى قلة من الشتائم علمته إياها إحدى بائعات الهوى كما يقول!

أبو علي الذي لا يمل من الكلام يقضي نهاره سارحاً على الكورنيش يبيع القهوة التركية بنفس لبناني، يحضرها بنفسه كل صباح، ويعبئها في قناني من الألومنيوم، يضيف تحتها قطعاً من الفحم الحجري كي تبقى ساخنة على مدى النهار، لا يمل من المناداة “قهوة ، قهوة” معتزاً بقهوته الرائجة بين رواد الكورنيش، فهو بغير حاجة ان ينادي الجموع، معظمهم يشتري قهوته ليتجاذب معه أطراف الحديث لا لأجل القهوة نفسها.

يقف أبو علي شامخاً أمام عدسة الكاميرا لألتقط له بعض الصور، فجأة يثور، ويرفض ان اضغط زر التصوير قبل ان يخرج من جيبه “فيلتر” خشبي، يضع السيجارة فيه، ويزيح قبعته قليلاً وينظر الى الأفق فوق بحر بيروت، ويقول، “سلامة فهمك يا أستاذ، هلق فيك تصور، هيك سكسي أكثر” ! …

يحادثك أبو علي عن تاريخ بيروت، يقول الكثير عن هذه المدينة، إنها مدينة العشاق، مدينة لا يحيا فيها سوى من يقدر الرومانسية وقصص العشق، مدينة ليست للمتمهلين، بل للراكضين اللاهثين، بيروت جمالها كجمال الأفعى، إن أطلت التحديق إليها ستلسعك لا محالة…

عن كون بيروت مدينة العشاق، يصر أبو علي ان معظم زبائنه هم من العشاق السارحين على الكورنيش او الجالسين في السيارات على إمتداده، يبيعهم القهوة، ويسلم عليهم، ويسديهم النصائح، فينقدوه ثمن القهوة مضاعفاً، يعتز أبو علي بصداقتهم، ويفاخر بتعداد الأسماء، أسماء الفتايات و الشبان التي بدأت علاقتهم هنا على شاطىء بيروت بصحبة طعم قهوته، وإنتهت مكللة بزواج سرمدي أبدي، فما تجمعه القهوة، لا يفرقه أنسان، دائماً على لسان أبو علي.

الرجل قد ساح وجال في أصقاع الدنيا، بدأ حياته موظفاً في إحدى الدوائر الرسمية و براتب كبير أيام الفوضى والحرب، وظيفته ان يأتي الى العمل صباحاً، يعد القهوة لنفسه، ويقضي النهار متسكعاً بين المكاتب، أو يطالع المسرحيات، أو ينهمك بشبكة من الكلمات المتقاطعة ليغادر بعدها الى بيته معززاً مكرماً، لكن “النسوان”، “لعن الله جنس حواء” يضيفها ضاحكاً، “ما فيك تعيش معهم أو دونهم”، طلق أبو علي الوظيفة الروتينية، وانطلق الى ألمانيا، لا سعياً وراء الربح، بل وراء راقصة أغوته وسيطرت على حياته ومشاعره، ليقضي بين أحضانها الليالي الملاح، الى ان نفذت نقوده، فلفظته المانيا الى شاطىء بيروت، ليستثمر رأس ماله من عزة نفس ومهارة في صنع القهوة، في مهنة جديدة اصبحت “الحيلة والسليلة”…

تعلم الرجل الإنجليزية في المدرسة التي غادرها باكراً، مفضلاً إرتياد دور السينما، ينفق عليها أكثر من دخله، أما عن الفرنسية، فقد تعلمها من اللبنانيين “المتفرنسين” على شاطىء بيروت.

لا يخجل ان يقول ان النساء همه الشاغل، يقول ان الله خلق النساء على أجمل تصوير لكي يوقعن بالرجال، هو أحد ضحايا الصدور والمؤخرات، لكنه يؤاخذ نفسه، ويسامح من أغواه، فلا فرار من المقدور…

ينتصب الرجل شامخاً من جديد، يستعرض افق البحر فوق بيروت، لا يهاب النظر الى الشمس التي نالت من لون بشرته وحولتها سمراء داكنة، يمسك السيجارة، ينفث فيها أحلام متبددة، ويستعجل فلاش الكاميرا، كي يذهب مهرولاً الى شاب وصبية يتشابكان الأيدي خلفه بإنتظار إبتسامة ونصيحة، بسعر القهوة، وما أرخصها…

تحقيق خاص: تريلا دوت أورغ – كافة الحقوق محفوظة



4 responses to “أبو علي، نصيحة بسعر القهوة”

  1. غريب أبو علي .. كل مرة يستنبط قصة جديدة عن حياته!!! إذا بعد بيعمل مقابلة بيطلع معه أنه كان مع الجيش الشعبي الإيرلندي…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *