الحريق والغريق والتشنطط عالطريق…


يوم كنا نقوم بتغطية الإنتخابات البلدية في جنوب لبنان أنا وصديقة لي، كنا فعلاً نلاحق رائحة الخبر ونشتمه في الأجواء، من قرية الى اخرى، على انه وفور وصولنا الى كفرتبنيت، إشتمت عبير شيء آخر، رائحة “المقتي” و”الحمص أم قليبانة” إفترشها الباعة على قارعة الطريق، وتماماً كما تفعل لإشتمام الخبر التدويني، هرست المكابح من شدة الضغط عليها، لتلتف السيارة على نفسها وتتوقف أمام بسطة الخضار والفاكهة الجنوبية، وإعتصمت في السيارة وجعلت تطالب بحصتها من “المقتي” و”الشمام” و “الحمص الأخضر” مكافئة على اليوم التدويني الطويل، فيما أنا أحاول جاهداً ان أعيد إبتلاع قلبي الذي صعد الى مستوى حنجرتي من هول الصدمة…

فيما هرعت هي الى بائع الشمام، وقفت أتجاذب أطراف الحديث مع الفلاح الجنوبي وهو يقوم بتشذيب أطراف ضمة الحمص تمهيداً لطرحها على ميزانه، يقول الرجل ان الحال ضاق، والناس لم يعد في نفوسها من الخير ما يكفي لزراعة الأرض وجني خيراتها، فتأتي المواسم صفراء يابسة لا خضراء يانعة…

يسترسل فلاح كفرتبنيت في الحديث، فيقول ان الحال ضاق، والحرب على الأبواب بعلامات ثلاث هي على التوالي الحريق والغريق والتشنطط عالطريق…

ربما لأنها المرة الألف التي أسمع فيها أمثولة نهاية الدنيا وقيامة القيامة بالحريق والغريق والتشنطط عالطريق في كفرتبنيت، لامفر هنا من إخباركم أصل الحكاية.

قبل الحرب الأهلية التي إندلعت (رسمياً) في 13 نيسان 75، وفي العام 1956 تحديداً، ضرب لبنان زلزال قوي، فقامت الحكومة اللبنانية بتأسيس صندوق لصرف المساعدات للمتضريين، فكان من بين المراقبين والموظفين الحكوميين الذين زاروا كفرتبنيت، رائد الأدب الشعبي اللبناني سلام الراسي الذي روى القصة عن لسان أهل القرية وتنبأ بوقوع الحرب الأهلية، فقبل الحرب توالت الفواجع الثلاث، الحريق، اي حريق المقاصد الشهير حين كان الطلاب يحتفلون بعيد المولد النبوي بالشموع، فوقعت إحداها وأشعلت حريقاً هائلاً حصد ما لا يقل عن 20 تلميذاً، ثم حدث الغريق بفيضان نهر أبو علي في الشمال، فأغرق معه ما لا يقل عن 30 مواطناً لبنانياً، وما لبث ان اتى زلزال العام 56 وهو العلامة الأخيرة، “فتشنطط” الناس على الطريق لأن بيوتهم قد تهدمت…

وما هي إلا سنوات حتى “لعلع الرصاص” وثارت النفوس والغرائز وإندلعت حرب لبنان…

للتذكير فقط، بالنسبة لزماننا اليوم، فقد إشتعل الحريق بفعل الأحداث الطائفية (على كثرتها) وآخرها في 7 أيار، وما لبث ان تحقق الغريق بتحطم الطائرة الأيوبية في عرض البحر، وها نحن اليوم نرى اللبنانيين “متشنططين” على الطريق عاطلين عن العمل، ويسرحون ويمرحون بفضل التراخي الحكومي وسوء إدارة البلاد، يطلقون النار بمناسبة أو بدون مناسبة، مونديالية كانت ام سياسية…

فعلاً، فالتفكير لبرهة، يوضح ان مآسي الحريق والغريق و”التشنطط عالطريق” قد توالت من جديد، فهل بتنا على أعتاب حرب جديدة؟ وعلى حد قول مرسيل خليفة… “الله ينجينا من الآت”

فلّاح مكفي، سلطان مخفي "سلام الراسي"

—-

[stextbox id=”info” caption=”صندوق المعرفة” collapsed=”false” float=”true” align=”right” width=”550″]


صندوق المعرفة هو مبادرة من مدونة تريلا يعرض لمزيد من المعلومات العامة المتعلقة بموضوعات التدوينة
تجدونه من اليوم أسفل كل تدوينة

[/stextbox]


——



,

One response to “الحريق والغريق والتشنطط عالطريق…”

  1. هات إيدك يا خيي هات، ياما قضينا وهلات، ياما لوعنا الماضي، الله ينجينا من الآت. حلوة كثير التدوينة، بس شو المناسبة لحتى بطلت نق؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *