بزي: الحريّات تراجعت… كلام في تحدّيات وأولويّات مدوّنين من مصر ولبنان وسوريا


مقابلتي مع جريدة السفير اللبنانية – من واشنطن، جو معكرون

حين تجلس مع إسراء عبد الفتاح، تشعر بأنها مقدَّرة لمعركة أكبر منها. هاجس مصر يسكنها بوطنية صافية ومثالية سياسية وتصميم ذاتي على حلم إصلاحي تراه بعينيها. إسراء هي نموذج عن عدد لا يحصى من الشبان والشابات العرب الذين يعيشون أزمات حكم وهوية واقتصاد في مواجهة أشكال متنوعة من الاستبداد، ويبحثون عن مساحة بديلة في التدوين الالكتروني للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم.

لا تخفي إسراء قلقها من السنتين المقبلتين على مصر، في ظل حراك سياسي يتطور على وقع الانتخابات البرلمانية والرئاسية، فتوقعت تزايد وتيرة اعتقال المدونين الإلكترونيين. وترى إسراء أن النظام المصري «يجرنا إلى قضايا فرعية»، بحيث يضطر المدونون إلى التركيز على الضغط للإفراج عن زملائهم. تستطرد هنا، وتتحدث عن طالب الهندسة الشاب أحمد مصطفى الذي أحيل إلى المحكمة العسكرية، واكتفت صحيفة مصرية مستقلة بـ»التلميح إلى خبر اعتقاله بخجل، كأنها ليست قضية هامة، ولم تذكره حتى الفضائيات التي من المفترض أن تكون مستقلة تماماً».

ترى إسراء أن الإعلام المصري «فسحة محدودة لا تسلط الضوء على تجاوزات النظام، وهناك قضايا يقع عليها حظر إعلامي تام»، ما يجعل المدونات الالكترونية «أكثر استقلالية وأكثر حرية، بلا رقيب». تتحدث عن «حرية ما بعد التدوين بدلاً من الحرية من خلال التدوين»، إذ تُترك لهم حرية التعبير على المدونات، «وبعدما نكتب، يعتقلوننا».

عند ذكر محمد البرادعي، يتورّد وجه إسراء الخجول، وتقول: «البرادعي بالنسبة إلي هو نوع من أنواع الخلاص من النظام الموجود». وتضيف: «الشعب المصري لديه أمل بالتغيير»، وترى أن البرادعي يجسد هذا التغيير، و»عودته حفزت الكثير من المصريين على العمل السياسي بعد طول انقطاع». تعرب عن تشكيكها بقول الرئيس المصري حسني مبارك إن للبرادعي الحق بالترشح للرئاسة، «لأن مبارك يريد أن يكون البرادعي مرشحاً حزبياً يخوض انتخابات فيها فساد وتزوير، فيتيح ترشحه للنظام أن يصوّر الانتخابات على أنها ديموقراطية، ويعلن أن البرادعي سقط، الشعب مش عايزه». ترفض أن يشارك البرادعي «بهذه التمثيلية»، مثلما حصل في انتخابات العام 2005. وتضيف إسراء: «المخرج بتغيير الدستور، والدستور ان شاء الله يتغير».

وتدعو إسراء إلى التعديل المادة 88 من الدستور التي تلغي الإشراف القضائي على الانتخابات، مستغربة إجراء انتخابات من دون إشراف قضائي ودولي: «مش ممكن تكون الانتخابات بيد الحزب الحاكم وبيد الشرطة والجيش! فين النزاهة؟». عندما تسألها عن المعارضة المصرية، وقصة نشوئها، تشرح أنها تعتبر أن بدء تبلور المعارضة المصرية سجّل ما بين العامين 2005 و2010، مع ظهور حركات مثل «كفاية» و»شباب من أجل التغيير» و»حركة مصرية ضد التوريث» و»6 ابريل». وترى أن هذه المجموعات تجتمع على الأهداف والإستراتيجية ذاتها، ودعتها إلى الالتفاف تحت مظلة «الجمعية الوطنية للتغيير». وتجد إسراء أن «قوة المصريين في الفترة المقبلة تكمن في الاتحاد»، ووجهت الكلام إلى المعارضين بالقول: «لو إنت معارض، حط مصر قدامك، مصر مش أي حاجة ثانية».

اعتقلت قوات الأمن المصرية إسراء ثلاث مرات: المرة الأولى كانت عند دعوتها إلى إضراب «6 ابريل» في العام 2008 على موقع «فايسبوك»، فاعتقلت من أحد المقاهي في مدينة نصر واصطحبت الى النيابة العامة في قصر النيل واحتجزت في سجن القناطر. كما اعتقلت في 15 كانون الثاني الماضي، بعد تأديتها واجب العزاء بضحايا حادثة نجع حمادي. وهي حالياً مسؤولة التنظيم لمجموعة فايسبوك تحمل اسم: «البرادعي رئيساً».

عند سؤالها عن احتمال أن يحبط البرادعي آمالها بعد فترة، ترى إسراء أن تجربتها على مدى خمس سنوات علّمتها أنه «ما ينفعش حط كل آمالي على شخصية واحدة». وتذكر أن مطالبها تبقى على ما كانت عليه قبل ظهور البرادعي كمرشح ممكن للرئاسة، وستبقى على ما هي عليه بعده: «البرادعي يشتغل معنا في تعديل الدستور، لو تعدل، ده انجاز فظيع، سواء البرادعي موجود أو مش موجود. ولو البرادعي اختفى والدستور تعدل، مصر مليئة بالنخب والشخصيات المؤهلة لهذا المنصب أكثر بكثير من النظام الحاكم». وتضيف: «البرادعي بالنسبة إلينا وسيلة ضاغطة لتحقيق هدف ما، لو اختفت الوسيلة سنجد عشرات الوسائل الأخرى».

لكنها تروي أنها قابلت البرادعي وجلست معه في منزله خارج القاهرة، فشعرت من أسلوبه وطريقة كلامه أنه صادق، «وقال كلام دخل قلبي.. لن أخذل الشعب المصري». وتؤكد انه سيدافع عنها في حال عادت إلى السجن. وعند سؤالها عن رسالتها إلى جمال مبارك، تبتسم وتفكر قليلا لتقول بعنفوانها الأنثوي: «لو إنت تحب مصر وتهمّك مصلحة الشعب المصري، أوقف إنت، كون أول واحد، وطالب بتغيير الدستور لتحقيق العدالة الاجتماعية».

نموذج لبنان

على عكس المشهد المصري، يقول المدون اللبناني عماد بزي إن لا «مشاكل أمنية» تعترض المدونين في لبنان، «إلا بعض الاستثناءات الصغيرة»، مشيراً إلى أن «لا رقابة ولا مضايقة رسمية على المدونين، لكن تبقى التحديات في مضايقات حزبية وعقائدية يتعرض لها بعض المدونين». أما المضايقة الكبرى فتبقى تقنية، تتعلق ببطء الانترنت، وتكلفته العالية، وعدم وجود خدمة «برودباند». ويذكر بزي أن التدوين في لبنان «يتأثر بالوضع السياسي والأمني.. فموجة التدوين بدأت مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، لتهدأ بعدها قليلاً ثم تعاود وتيرتها السابقة مع حربي تموز وغزة». ووصف المدون الالكتروني اللبناني بأنه «مزاجي، ولا يكتب بطريقة منتظمة».

بدأ بزي بالتدوين في العام 1998 لأنه كان محبطا من الوضع السياسي ولم يعرف منفذاً إلى وسائل الإعلام. وتمحورت تدويناته حينها حول «الطائفية السياسية والوجود السوري والسياسة الاقتصادية والفساد». وهو يرى أن التدوين تعبير سهل عن الذات، لا يتطلب منك أن تكون لغتك العربية سليمة، ولا أن تكتب بطريقة أكاديمية»، واصفا التدوين بأنه «مساحة رائعة للحوار بطريقة سلمية». ويذكر أن هناك 500 شخص يتابعون موقعه الإلكتروني «تريلا» دورياً، وهو يكتب بالعامية، أو بالفرنسية والانكليزية.

يرى بزي أن الإعلام اللبناني أصبح «مسيساً لدرجة مخيفة»، وأن «نسبة الحريات تراجعت بقوة في لبنان، والتباهي انو لبنان بلد مفتوح وبلد حريات مش صحيح». ويعتبر أن الحدّة في هذا الاتجاه بدأت مع وصول الرئيس ميشال سليمان إلى الحكم لأنه «في مكان ما، أطلق يد بعض العناصر التي لها علاقة بالأمن، في ظل الوضع السياسي المعقد». ويروي قصة صحافي حاول تغطية خبر عن مركز الاعتقال المثير للجدل التابع للأمن العام تحت جسر العدلية، ما أدى إلى تعرّض الصحافي للضرب. الأولويات التدوينية بالنسبة إلى بزي في هذه الأيام تدور في أفق حرية التعبير وحقوق الإنسان وهموم المواطنين اليومية. ويشرح آلية عمله: «إذا استفزني شي، بعلّق عليه مباشرة»، وهو لا يحبذ التركيز على قضايا غير لبنانية: «بس يكون بيتي مش مرتب، ما فيّ روح ساعد غيري. في مساحة للنضال داخل لبنان، ليش بدي روح خارج الوطن؟».

وتطرق بزي إلى «منتدى المدونين اللبنانيين»، وهو أشبه بنقابة غير رسمية، تتألف من 20 شخصاً يصفه بأنه «خليط سياسي مخيف، ما بعرف كيف متفقين، كل واحد باتجاه». وتحدث عن مبادرة جديدة للمنتدى تقضي بمراقبة الانتخابات النيابية المقبلة، بحيث كل مواطن يصبح مراقباً انتخابياً، مع وضع خريطة انتخابية ومرصد للحقوق المدنية لإبراز الخروقات، «ويمكن لأي شخص إيصال هذه الخروقات عبر الموقع الالكتروني أو بريد الهاتف».

ويدعو بزي الشباب اللبناني إلى التوجه للتدوين الإلكتروني، أو ما يسمى بالإعلام الجديد، حيث تُضمن حرية التعبير وسرعة إيصال الأفكار، «لأن تلك هي أداة التغيير الجديدة». ويقول: «لا إصلاح من دون الإعلام الجديد. قريباً، رح يصير واضح الصراع بيننا وبين الإعلام التقليدي. هيدا الصراع مستتر، وقريبا رح يطلع على السطح».

نموذج سوريا

بالانتقال إلى سوريا، تختلف الدينامية والأفق والقيود على العمل التدويني، نظراً للضغط الأمني الذي يتجلى في حوادث كإغلاق منتدى جمال الأتاسي على «فايسبوك». يقول الناشط والصحافي رامي نخلة انه يريد التعبير عن ذاته، لكن ليس بشكل بطولي يضطره إلى دخوله السجن. فتفاعله مع السلطات الأمنية لا يزال يقتصر على الاستدعاءات الأمنية. طموحات نخلة لسوريا تختصر في الوعي السياسي الذي يرفع نسبة مشاركة الشباب في الشأن العام، معتبرا أن تلك هي «أفضل وأسلم طريقة للتغيير لأن الشعب السوري مستقيل تماماً من الشأن العام، ولا يتمتع بوعي سياسي وحقوقي، ويعتقد أن الديموقراطية تُختصر في تجربة العراق».

يختلف نخلة مع معارضة الداخل في الأسلوب، ويدعوها إلى التركيز في المرحلة المقبلة على الهموم الاقتصادية والاجتماعية، معتبراً انه «لا يمكن إحياء الشعب السوري بالشعارات الكبيرة، بدك تبلش من وجعو». واعتبر أن المعارضة فوتت فرصة للتعبير في العام الماضي مع ارتفاع أسعار المازوت في سوريا خمسة أضعاف، في طقس بارد قارس: «كان بوسعها حينها أن تتواصل مع الناس على مستوى همومهم اليومية في ظل غياب حركات نقابية في سوريا».

يعتبر نخلة أنه لا يشعر بالعزلة الداخلية في نشاطه في سوريا، كما أنه لا يرى فائدة من الدعم الخارجي، مشيرا إلى أن «كل الضغوطات الخارجية لم تساعد ولو في إطلاق شخص بحجم الناشط الحقوقي هيثم المالح». ويرى نخلة انه عندما يرتاح النظام السوري خارجياً، يضيق على المعارضة في الداخل، داعيا إلى أن يكون ملف حقوق الإنسان ضمن أي مفاوضات مع سوريا.

يقول نخلة إن معارضة الداخل لم تعط آمال التغيير ليلتف حولها الشعب السوري، وليست لديها قاعدة اجتماعية، مشيراً إلى أن خطابها أصبح أكثر اعتدالا. ويرى خطورة في الأخوان المسلمين، ويرفض التعاون معهم، لكنه منفتح على التعاون مع الإسلاميين الجدد داخل سوريا مثل محمد حبش. ويرى نخلة أن ربيع دمشق لم ينته، وهو «يمر بمراحل صعبة جداً»، لكن «الوسائل التكنولوجية تزيد الوعي عند الشباب»، ذاكرا انه اكتشف عبر الانترنت أن هناك بلدانا في العالم ليست فيها حركة تصحيحية.

المقابلة كما وردت على موقع السفير هنا – المقابلة مطبوعة هنا


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *